اكتسبت سوريا زخماً كممر عبور إقليمي، وحصل تقدم لافت في مسار الاندماج الأمني الكردي في الدولة السورية، فيما تصاعدت المواجهة بين الحكومة والدروز في السويداء، مع محاولات أمريكية لنقل ملف حزب الله إلى دمشق.
فقد وقّعت السعودية وتركيا رسمياً مذكرة تفاهم للبناء على مذكرة تفاهم سابقة بين تركيا وسوريا والأردن، لتوسيع مشروع إعادة تأهيل سكة حديد الحجاز ليشمل السعودية ثم يمتد إلى بقية دول الخليج، ما يعني إنشاء ممر اقتصادي جديد يُتوقع إنجازه خلال ثلاث سنوات.
وبموازاة ذلك، يجري حالياً إحياء الممر السوري - العراقي. فقد أعلن العراق أنه سيزيد صادراته من النفط المنقولة بالشاحنات من البصرة إلى بانياس وطرطوس لإعادة تصديرها إلى أوروبا، وذلك بعد تشغيل منطقتين جديدتين للتفريغ والبنية التحتية المرتبطة بهما في بانياس.
وكما تضطلع السعودية بدور رئيسي في الممر الاقتصادي تركيا - سوريا - الأردن - الخليج، فإن لدى دولة الإمارات فرصة لتعزيز قيمتها الاستراتيجية بالنسبة لسوريا عبر الاضطلاع بدور مماثل في الممر السوري - العراقي، عبر «موانئ دبي العالمية» في ميناء طرطوس. كما أن نجاح هذا الممر سيجعل استثمارات «موانئ أبوظبي» في ميناء الفاو في العراق أكثر جدوى نظراً لقرب الميناء من البصرة.
وعلى صعيد الاندماج الكردي في النظام السياسي السوري، يجري تقييم نحو 10 آلاف عنصر من قوات الأسايش الكردية، لدمجهم في وزارة الداخلية، وهذا تطور مهم نظراً لأن وزارة الداخلية تلعب الدور الأبرز في تحديد مدى استقرار المناطق المحلية. والواقع أن عملية تجنيس الأكراد كمواطنين سوريين أحرزت تقدماً، بموجب المرسوم الرئاسي رقم 13، مع بدء إرسال دعوات المقابلات اعتباراً من منتصف يونيو/ حزيران المنصرم.
وقد تأخر مسار الاندماج السياسي الكردي، إذ إن الانتخابات التكميلية في المناطق ذات الأغلبية الكردية (محافظة الحسكة وعين العرب في محافظة حلب) في نهاية مايو/ أيار، قد أسفرت عن فوز الأكراد بخمسة مقاعد فقط من أصل أحد عشر مقعداً، ما رفع إجمالي عدد المقاعد الكردية على مستوى البلاد إلى تسعة مقاعد (نحو 6% من إجمالي المقاعد، مقارنة بحصة الأكراد السكانية البالغة نحو 10%). وهيمن على هذه الانتخابات المجلس الوطني الكردي (المنافس التاريخي للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا - النظير السياسي/ الإداري لقوات سوريا الديمقراطية التي أدارت شمال شرق سوريا خلال الحرب)، فيما قاطعها حزب الاتحاد الديمقراطي وتسعة أحزاب كردية أخرى مرتبطة بالإدارة الذاتية السابقة لشمال وشرق سوريا، بسبب شكاوى من تهميشها واستبعادها في النظام البرلماني السوري الجديد.
ومن ناحية أخرى، تصاعدت المواجهة بين الحكومة والدروز في السويداء، حيث نُفذت عملية حكومية سرية داخل السويداء لتحرير ثلاثة رجال من الدروز (يبدو أنهم اتُّهموا بالتعاون مع دمشق) كانوا مُخْتَطَفين على أيدي الحرس الوطني الدرزي بقيادة الشيخ حكمت الهجري. وأفادت تقارير بأن قائد الحرس، الغوطاني، تعرض للاختطاف على أيدي ميليشيات منافسة اتهمته بالتواطؤ في العملية أو بالفشل في منعها. وأطلق الحرس الدرزي حملة واسعة من المداهمات والاعتقالات الانتقامية، شملت اقتحام منزل أقارب مدير الأمن الداخلي في السويداء المعيّن من قِبَل دمشق.
وإزاء هذه الحالة من عدم الاستقرار في السويداء، أصبح هناك الآن مساران محتملان. فإما أن يؤدي تفكك الدروز إلى كسر وحدة الدروز، أو أن تدفع الفصائل التابعة للهجري داخل الحرس الوطني الدرزي نحو صدامات مع القوات الحكومية لإعادة توحيد الصفوف. إن الطبيعة المتزايدة الهشاشة للتوترات بين دمشق والسويداء، إلى جانب كون قضية السويداء تمثل اليوم العائق الرئيسي أمام الاندماج السياسي الوطني في سوريا، تطرح فرصة وساطة استراتيجية متزايدة الأهمية أمام دولة الإمارات.
وخلال الشهر الفائت، كرر الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، تأكيده على اقتراحه السابق الذي طرحه بصورة عفوية بأنه «قريب من تسليم ملف حزب الله إلى سوريا»، لأن سوريا -بحسب رأيه- ستتعامل مع حزب الله بصورة أكثر دقة من النهج التدميري الذي تتبعه قوات الدفاع الإسرائيلية. ويرتبط مقترح ترامب إلى حد كبير بالملف الإيراني، حيث ينظر، هو ونائبه جي دي فانس، إلى استمرار الحملة العسكرية الإسرائيلية في لبنان على أنه عامل معرقل للمحادثات الأمريكية - الإيرانية. ولذلك، فإن التصريح يؤدي أساساً وظيفة الضغط على إسرائيل للالتزام باتفاق وقف إطلاق النار، بينما لا تأخذه الأخيرة على محمل الجد والقلق جميعاً. ويتمثل القلق الإسرائيلي في أن أي دور سوري موسع سيؤدي إلى إشراك تركيا، حيث وصف أحد الوزراء الإسرائيليين سوريا وتركيا بأنهما مصدر قلق أكبر من إيران.
وقد استبعد الرئيس السوري، أحمد الشرع، علناً التدخل العسكري في لبنان، لكنه فعل ذلك بحذر، واعتبر أن التناول الإعلامي لتصريحات ترامب «أسيء فهمه»، وعرض بدلاً من ذلك دوراً سورياً اقتصادياً ودبلوماسياً لدعم لبنان، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام حوار سوري مستقبلي مع حزب الله إذا كان ذلك يخدم السلام الإقليمي.
