الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

مضامين الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل وآفاقه

2 يوليو 2026 00:28 صباحًا | آخر تحديث: 2 يوليو 00:30 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
وُقِّع الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل في واشنطن، في 26 يونيو(حزيران) 2026، بوصفه إطاراً سياسياً وأمنياً لإنهاء الصراع بين البلدين، عقب أربعة أيام من المفاوضات بين الطرفين بوساطة أمريكية، وبحضور وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو. ويهدف الاتفاق إلى الانتقال من إدارة الصراع إلى مسار تفاوضي يُفضي إلى إنهاء حالة الحرب وإبرام اتفاقية سلام بين البلدين، واستعادة لبنان سيادته الكاملة على أراضيه، فضلاً عن تأمين الحدود الشمالية لإسرائيل. ويقوم الاتفاق على مبدأ التدرج، بحيث تُنفذ الالتزامات الأمنية والسياسية على مراحل متبادلة.
وينص الاتفاق على انتشار الجيش اللبناني في المناطق التي تنسحب منها القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان تدريجياً، ويربط استكمال الانسحاب بالتحقق من نزع سلاح حزب الله، وترسيخ احتكار الدولة اللبنانية للسلاح. وفي هذا الصدد، تم الإعلان عن منطقتين «تجريبيتين»، خارج «خط مضادّات الدروع» الإسرائيلي، يتولى فيهما الجيش اللبناني ملء الفراغ بعد انسحاب القوات الإسرائيلية. كما يشتمل الاتفاق على التزام أمريكي بحشد الدعم الدولي لإعادة إعمار لبنان، وعودة النازحين اللبنانيين، وتعزيز مؤسسات الدولة اللبنانية في إطار القرارات الدولية. وفي هذا الخصوص، تعهدت الولايات المتحدة بتقديم مساعدات إنسانية فورية، بقيمة 100 مليون دولار، إلى لبنان. وأخيراً، يُنشئ الاتفاق مجموعة تنسيق عسكرية ثلاثية، تضم لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة، للإشراف على تنفيذ الاتفاق ومعالجة أي خروقات، وتنسيق عمليات الانتشار والانسحاب الميداني.
وقد اعتبرت الولايات المتحدة الاتفاق خطوة أولى نحو تسوية طويلة الأمد، وتعهدت بالإشراف على التنفيذ. ومع ذلك، أثار توقيع الاتفاق، كما هو متوقع، انقساماً سياسياً حاداً في لبنان. فمن ناحية، رحّب الرئيس جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام بالاتفاق باعتباره خطوة لاستعادة السيادة وبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية. وفي المقابل، رفض حزب الله الاتفاق واعتبره «سقطة مروّعة» و«تنازلاً عن السيادة»، واستنكر بصورة قاطعة ربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاحه. بل إنّ الحزب واصل التهديد باندلاع حرب أهلية في لبنان، إذا حاولت الحكومة اللبنانية تنفيذ الاتفاق. والأهم من ذلك أنّ رئيس مجلس النواب اللبناني، نبيه بري، انتقد الاتفاق الإطاري، محذراً من أنه يؤدي إلى «فتنة»، وقال بأنه «لن ينفذ». وكان من الطبيعي أنْ تُعارض حركة أمل الاتفاق «غير المتوازن»، وأن تُحذر من تداعياته على الوحدة الوطنية. ويعكس هذا الانقسام وجود تباين حاد بين مشروع الدولة الداعي لحصرية السلاح، وموقف القوى الرافضة لأي تسوية تمس سلاح المقاومة.
وهكذا، يواجه الاتفاق اختباراً صعباً بسبب الانقسام السياسي والطائفي حول شرعيته، وتبرز قدرة الجيش اللبناني على فرض السيطرة الأمنية الكاملة باعتبارها أحد أهم محددات نجاح الاتفاق. كما تثير مسألة نزع سلاح حزب الله احتمالات تصاعد الاحتقان السياسي والأمني داخل البلاد. ويزداد التحدي مع استمرار التحذيرات من انزلاق الخلافات السياسية إلى اضطرابات داخلية أو مواجهات أهلية.
وعلى المستوى الإقليمي، أكدت إيران أن الاتفاق ينتهك البند المتعلق بلبنان في مذكرة التفاهم الأمريكية–الإيرانية، الموقّعة في 17 يونيو(حزيران) الفائت. والحقيقة أنّ الاتفاق، وما سبقه ويتلوه من مفاوضات لبنانية-إسرائيلية، يسعى إلى تقليص النفوذ الإيراني في لبنان. ولذلك تربط طهران بين الملف اللبناني والمفاوضات مع الولايات المتحدة، وترفض أي ترتيبات تنتقص من دور حلفائها الإقليميين، وتواصل المطالبة بانسحاب كامل للقوات الإسرائيلية من لبنان بموجب مذكرة التفاهم.
غير أنّ العامل الإسرائيلي يظل من أهم العوامل المؤثرة في إمكانية تنفيذ الاتفاق، فقد أكدت إسرائيل أن الانسحاب الكامل لن يتم قبل التأكد من نزع سلاح حزب الله بصورة فعلية، وتُطالب بضمانات أمنية طويلة الأمد تمنع إعادة بناء القدرات العسكرية للحزب. وثمة معارضة داخلية أيضاً للاتفاق لدرجة وصفه من قبل وزير الأمن القومي الإسرائيلي، إيتمار بن غفير، بأنه «خطأ فادح». وتستمر القوات الإسرائيلية في توجيه الضربات الجوية والعمليات العسكرية بجنوب لبنان، ما يستدعي ردّاً من جانب عناصر حزب الله.
وقد يؤدي نجاح الاتفاق إلى استعادة الدولة اللبنانية جانباً مهمّاً من سيادتها وتعزيز دور الجيش كمؤسسة أمنية وحيدة. كما يمكن أن يفتح الباب أمام إعادة الإعمار وعودة النازحين وتحسين البيئة الاقتصادية والاستثمارية. وفي المقابل، قد يفرض على حزب الله إعادة تعريف دوره تدريجياً من فاعل عسكري إلى فاعل سياسي داخلي. أما في حال تعثر التنفيذ، فقد تستمر إسرائيل في احتلال مناطق داخل جنوب لبنان، مع بقاء احتمالات التصعيد العسكري قائمة.
والواقع أنّ فرص نجاح الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل يعتمد على تنفيذ متزامن ومتوازن للالتزامات الأمنية والسياسية من جميع الأطراف. بيد أن كل طرف يربط تنفيذ التزاماته بتنفيذ الطرف الآخر أولاً، مما يخلق معضلة ثقة تعرقل التطبيق.
كما أن استمرار الضغوط الداخلية في لبنان والانقسامات داخل إسرائيل قد يحدّ من قدرة الحكومتين على المضي في التنفيذ. ولذلك يبقى الاتفاق إطارًا واعداً من الناحية السياسية، لكنه يواجه تحديات أمنية وسياسية وإقليمية تجعل مسار تنفيذه معقداً وطويل الأمد.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة