لم تكن القمة الأطلسية التي استضافتها تركيا في عاصمتها أنقرة مؤخراً مجرد قمة تقليدية بالنسبة لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، كما أنها لم تكن «مجرد استضافة» بالنسبة لتركيا. فحلف شمال الأطلسي، قبل انعقاد هذه القمة كان يدرك جيداً مدى صعوبة المرحلة التي يمر بها في تاريخه المعاصر، خاصة في ظل التهديدات الأمريكية، على لسان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالانسحاب من الحلف، وتعمد إهانته والاستهانة به وبأعضائه، لدرجة التشكيك في قدرة قواته على القتال بدون القوات الأمريكية، ودخول هذه التهديدات مرحلة متقدمة بإعلان واشنطن سحب أجزاء كبيرة من قواتها الموجودة في ألمانيا وغيرها، والدخول في صدامات وإهانات لعدد كبير من قادة دول الحلف.
كما أن تركيا هي الأخرى كانت تقف في «مفترق طرق» مع الحلف، عندما أعلنت تمردها على الدور التقليدي المنوط بها في الحلف كمجرد «درع أطلسية» ضد الاتحاد السوفييتي سابقاً ثم ضد روسيا لاحقاً، وك«سيف موجه» لتطويق إيران منذ حصولها على عضوية هذا الحلف عام 1952.
وإذا كان حلف الناتو قد استطاع في قمة أنقرة أن يَعبُر، بدرجة معقولة من الأمان «مرحلته الانتقالية»، حيث جرى تأمين البقاء الأمريكي في الحلف في ظل تعهدات أوروبية - كندية برفع نسبة الإنفاق العسكري إلى 5% من الناتج الإجمالي حتى عام 2030، وطرح مفهوم جديد للحلف أعطوه اسم «الناتو 3.0» بوصفه مرحلة جديدة تقوم على إعادة التوازن في المسؤوليات الأمنية بين ضفتي الأطلسي، فإن السؤال بالنسبة لتركيا يظل باقياً: كيف خرجت تركيا من القمة؟ وماذا كانت تريد؟ وماذا حققت؟ وهل ما تحقق سوف يسهم، وبأي درجة، في تحديد معالم «تركيا الجديدة» في ظل المتغيرات الدولية والإقليمية التي تحدث الآن؟ هل ستُفعَّل تركيا أطلسياً، بمعنى أن تُعتمَد من جانب الحلف كقوة أطلسية، أي مدمجة في القوة العسكرية الأطلسية، ومن ثم يمكن أن تحصل على توكيل أطلسي للقيام بدور القوة الأطلسية الشرق أوسطية، وأن تصبح منافساً أو بديلًا لإسرائيل؟ أم أن الأبواب أُغلقت أمام تركيا، كما هي العادة المتبعة، واتفق على إبقائها مجرد أداة تستخدم فقط عند الحاجة، الأمر الذي يمكن أن يدفعها نحو موضوع آخر أكثر أهمية هو «الهوية المزدوجة» بين كونها قوة أوروبية - أطلسية، ورغبتها في أن تكون قوة إقليمية تنتمي إلى حضارة الشرق، عندها يمكن أن تحسم خيارها الاستراتيجي الإقليمي من منظوري: «العداوة» و«الصداقة» بين كل من إيران وإسرائيل؟
دراسة وتحليل الموقف الاستراتيجي التركي قبل قمة «الناتو» في أنقرة وأثناءها وبعدها تقول إن تركيا كانت شديدة الحرص على دمجها في القوة الاستراتيجية الأطلسية، وبالتحديد في «هيكلية الدفاع الأوروبية»، حيث دعا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بمناسبة افتتاح قمة برلمانية ل«الناتو» (2026/6/29) إلى ضرورة إشراك أنقرة في «مبادرات الدفاع والأمن في القارة الأوروبية ودمجها في مشروعات من هذا القبيل» وقال: «لا بد من تشارك العبء بطريقة عادلة ومنصفة بين حلفائنا مع تذليل العوائق الماثلة أمام تجارة الصناعات الدفاعية». وكرر هذا المطلب في كلمته الافتتاحية للجلسة الرئيسية لقمة أنقرة (2026/7/7) بتأكيد «أهمية رفع القيود المفروضة بين الحلفاء في مجال التعاون الدفاعي» بوصفه خطوة ضرورية لتحقيق (هدف الناتو 3.0).
وزير الخارجية التركي هاكان فيدان كان متفائلًا بهذا الخصوص قبل أسبوع من انعقاد القمة عندما قال إن «هناك اعترافاً» بأهمية تركيا بالنسبة إلى «الناتو»، وإن هناك صحوة بالنسبة لأهمية الدور التركي في ضوء البيئة الأمنية الإقليمية الجديدة (الحرب الإيرانية) وبيئة التهديدات الجديدة في أوروبا.
المعنى نفسه تحدث عنه الإعلام التركي بعد القمة بالقول إن مكانة تركيا داخل الحلف انتقلت خلال السنوات الأخيرة «من العضو المثير للجدل إلى شريك يزداد أهمية في معادلاته الأمنية بفعل التحولات الجيوسياسية التي يشهدها العالم». هذا الإدراك له ما يبرره بالنسبة للإعلام التركي، خاصة أن تركيا تملك ثاني أكبر جيش في الحلف بعد الولايات المتحدة، وتسيطر على المدخل البحري للبحر الأسود، كما تشكل جزءاً رئيسياً من الجناح الجنوبي ل«الناتو»، فضلًا عن تنامي الصناعات العسكرية التركية بعدما تجاوزت صادراتها العسكرية 10 مليارات دولار في العام الماضي، وقدرة الشركات العسكرية التركية على إنتاج الأسلحة بوتيرة أسرع وكلفة أقل مقارنة بالعديد من نظيراتها الغربية.
وإذا كان الرئيس ترامب قد تعهد في الشهر الماضي بأن يجعل نظيره التركي «سعيداً للغاية» رداً على سؤال بشأن طلب أنقرة الحصول على محركات «إف-110» التي تنتجها شركة جنرال إلكتريك الأمريكية اللازمة لطائرة الشبح التركية الجديدة «كاآن KAAN»، وإعادة دمجها في برنامج إنتاج طائرة الشبح الأمريكية «إف-35»، فإن تركيا لم تحصل بعد إلا على عدد محدود من تلك المحركات، ولم تجد حلًا بعد لمنعها من الحصول على طائرة «إف-35»، في ظل رفض إسرائيلي شديد اللهجة، الأمر الذي يعني أن مكانة تركيا داخل حلف الناتو ستظل معلقة في ظل المعادلة الأمنية المعقدة بين «الناتو» وإسرائيل، ما يعنى أن طموحات تركيا «الأطلسية» ستظل هي الأخرى مؤجلة.
