منذ أن وجد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه مضطراً للتبرؤ من حزبه (الحزب الجمهوري) ومن حركته السياسية التي تحمل وتجسد شعاره السياسي حركة ماغا: «لنجعل أمريكا عظيمة من جديد»، فالسؤال الذي أضحى يكتسب مشروعية متزايدة هو: أي مستقبل ينتظر حركة ماغا بعد الانتهاء من انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي؟ في نوفمبر المقبل في ظل مؤشرات تُؤكد أن فرص الحزب الديمقراطي في انتزاع الأغلبية في الكونغرس، باتت شبه مؤكدة، ولعل هذا ما يثير الذعر والخوف لدى الرئيس ترامب.
ترامب الذي اضطر أمام تفاقم الغضب الشعبي ضده شخصياً وضد سياساته، إلى القول بأن الناخبين الغاضبين يُصوبون سهامهم ضد الحزب الجمهوري وليس ضده شخصياً، ثم اضطر بعد أسابيع أن يُقحم حركة ماغا في هجماته المتصاعدة ضد الجمهوريين على نحو ما هدد به الحاضرين من الحركة والحزب الجمهوري في أحد اجتماعاته الشعبية، عندما خاطبهم بالقول: «لو خسرنا الانتخابات.. أنتم ستخسرون كل شيء، ماغا والحزب الجمهوري.. وأنا سأواجه العزل ومطاردة عائلتي».
من الصعب تصوّر أن ما قاله ترامب سيظل محصوراً في دائرة «التحفيز» لحركة ماغا والحزب الجمهوري، لتسريع الخطى نحو تحقيق كسب جديد لتلك الانتخابات، فحتماً يدرك الرئيس خطورة الموقف من أجهزته الاستخباراتية، ويعي حجم التحول الشعبي والانفضاض عن حركة «ماغا»، التي لم تستطع إثبات جدارة في الحفاظ على المبادئ التي قامت عليها، أمام التجاوزات الهائلة لهذه المبادئ والسياسات من جانب الرئيس ترامب، التي انحدرت بالحركة من كونها قاعدة للتأسيس لنظام حكم أمريكي جديد يرتكز على قاعدة واسعة من الدعم والتأييد الشعبي، إلى مجرد «شعار أجوف» لا يحمل من دلالاته إلا كل ما هو سلبي، على نحو ما ورد على لسان كل من الإعلامي الشهير والداعم الكبير للرئيس ترامب، تاكر كارلسون، الذي اضطر مؤخراً إلى إعلان العداء لترامب والانفضاض عنه، والكاتب الشهير توماس فريدمان، صاحب العمود الأشهر في صحيفة نيويورك تايمز.
كارلسون، الذي أعلن مؤخراً قطع علاقاته مع ترامب والانشقاق عن الحزب الجمهوري، أكد أن «حركة ماغا انتهت، ولم يعد لها وجود، لأن سياسات ترامب حولتها من حركة تهدف إلى جعل أمريكا عظيمة، إلى حركة تهدف إلى جعل إسرائيل عظيمة». أما توماس فريدمان فقد أكد أن دونالد ترامب لا يمثل امتداداً لمدرسة (أمريكا أولاً) بقدر ما يجسد نهجاً أكثر ضيقاً وخطورة، هو «أنا أولًا»، واصفاً أداء ترامب بأنه «نرجسي يُصر على وضع اسمه على كل شيء من مركز كيندي الذي لا يملكه، إلى جائزة نوبل التي لم يفز بها». فريدمان لم يكتف بذلك، لكنه وصف منظومة القيم التي يؤمن بها ترامب بأنها مشوهة تقوم على الإعجاب بالقوة المجردة والثروة، بغض النظر عن مصدرها، والتملق مهما كان زائفاً.
توصيف فريدمان يجيب عن سؤال مهم له علاقة مباشرة بسؤالنا عن مستقبل حركة ماغا بعد الخسارة المحتملة للجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي المقبلة هو: أيهما: الرئيس أم حركة ماغا مسؤول عن تردي أوضاع الآخر؟ هل الرئيس هو المسؤول عن تدني الدعم الشعبي لحركة ماغا أم أن حركة ماغا هي المسؤولة عن أخطاء ترامب وتراجع شعبيته، وأنها ستدفع أثمان هذه الأخطاء هي والحزب الجمهوري معاً؟
فما ذكره توماس فريدمان عن منظومة القيم التي يؤمن بها ترامب يتعارض كلية مع منظومة القيم التي تأسست وفقاً لها حركة ماغا. فالاتجاه الأيديولوجي لـ«ماغا» لم يكن تقليدياً يمينياً أو يسارياً، بل هو مزيج من عدة أفكار تتمحور حول الهوية الوطنية والقوة السياسية، والثقة الثقافية، والشك في المؤسسات القائمة، كل هذا في نسيج واحد هو: جعل أمريكا عظيمة من جديد، حيث أحدث هذا الشعار صدى كبيراً لدى شرائح واسعة في المجتمع الأمريكي، تجاوزت كثيراً القاعدة الانتخابية للحزب الجمهوري.
أما في الجانب الفكري والإعلامي فكان هناك أشخاص ومؤسسات ساهموا في تشكيل رؤية الحركة من بينهم ستيف بانون، الذي صاغ إطارها الفكري القائم على القومية والشعبوية ومعاداة العولمة، وجيف سيشنز وستيفن ميلر كانا وراء الخطاب المتعلق بمعاداة الهجرة والدفاع عن الهوية الوطنية، وروجر ستون الذي شجع ترامب على الترشح للرئاسة، ومؤسسات إعلامية، خاصة مثل فوكس نيوز ومؤثرون على الإنترنت، حولوا «ماغا» من مجرد دعوة فكرية إلى «هوية ثقافية اجتماعية سياسية اقتصادية وإلى حركة سياسية هدفها السلطة وإدارة الدولة».
عندما يتنكر ترامب لحركة ماغا ومعها الحزب الجمهوري، فهذا معناه أنه بات يُدرك أن فرصته في السلطة أضحت مُهددة كما سبق أن أعلن، لأنه لن يكون مرتكزاً على ظهير وسند سياسي داعم له، لكن المأساة ستكون انحسار حركة ماغا وربما تفككها ومعها منظومتها الفكرية - السياسية التي أخذت اسم «الترامبية السياسية». فعندما يتنكر ترامب لحركة ماغا فإنه يعلن بنفسه نهاية «الترامبية السياسية» التي ظل يتفاخر بها.
