أتيت على بعض من سيرة الأب أنستاس ماري الكرملي، الراهب العربي الذي نذر حياته للثقافة واللغة العربية.
ومن أجل مزيد من التعمق فيهما ودرس العلاقة بين ثقافات ولغات الحوض الحضاري الذي نعيش فيه، ويحيطنا، فقد أجاد ذلك الراهب اللغات الفرنسية، والآرامية، والعبرية، والحبشية، والفارسية، والتركية.
ومن كتبه وأبحاثه التي شرعت منذ فترة في قراءتها، خاصة تلك التي نشرت في مجلة مجمع اللغة العربية في مصر، كتاب «نشوء العربية ونموها واكتمالها»، وقد فوجئت مفاجأة طيبة عندما وجدت الكتاب يتضمن في فصوله بعض العناوين التي تمنيت أن أجد سبيلاً للوصول إليها في مجلة المجمع، ومنها «تناظر العربية واليونانية»، و«تناظر اللاتينية- الرومية- والعربية»، و«تناظر الفارسية واللغات المندثرة القديمة العربية»، وأيضاً «تناظر اللغات السكسونية والعربية»، و«منافع معارضة العربية بغيرها من اللغات».
ولمن يريد التوسع في ذلك الصدد يمكنه مطالعة كتب وأبحاث الأب أنستاس، فمعظمها متاح على الشبكة العنكبوتية.
ومع أهمية ما كتبه الأب أنستاس ماري الكرملي، فإن من المهم أيضاً إدراك دور المسيحيين العرب، ومنهم الرهبان، في تأصيل الثقافة واللغة العربية.
ومعلوم أن الرهبنة نشأت أصلاً في مصر في القرن الثالث الميلادي، وبلغت ذروتها في القرن الرابع الميلادي، وتوزعت بين مراحل وأنواع، الأولى هي مرحلة النساك في القرن الثالث، حيث عاش بعض المسيحيين حياة العزلة، والتقشف، والحفاظ على عقيدتهم الإيمانية من البطش الروماني، ثم كانت الرهبنة التوحدية التي أسسها القديس أنطون (أنطونيوس)، الملقب بأبي الرهبان، وبدأ حركته عام 270 ميلادية، حيث اعتزل في الصحراء الشرقية لمصر بالقرب من جبل الجلالة، وينسب إليه أقدم دير عرفته المسيحية، وهو دير الأنبا أنطونيوس.
وبعدها جاءت مرحلة نظام الشراكة، أي وجود رهبان متعدّدين بعد أن كان الراهب يبقي وحده، أو متوحداً.
وقد أسس القديس باخوم، أو باخوميوس، نظام الشراكة عام 320 ميلادية، ثم توالت المراحل وبرز اسم القديس مقار (مكاريوس)، وديره الشهير في الصحراء الغربية.
وقد شاءت الأقدار أن أهتم بزيارة الأديرة القديمة، ومنها دير الأنبا بيشوي، ودير السريان في منطقة وادي النطرون بالصحراء الغربية المصرية، ولدي حكايات عدّة في هذا الصدد.
