الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الخابية الأندلسية الإسبانية

5 سبتمبر 2026 00:22 صباحًا | آخر تحديث: 5 سبتمبر 00:23 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
تتراكم المعرفة كماً، وتتطور كيفاً، عبر أمور كثيرة يجمعها كلها -فيما أرى وقد أكون مخطئاً- الحوار.
فتأمل الإنسان للطبيعة حوار، وإن كان صامتاً.. وتعامله مع الغيب بالرجاء أو الخوف وبالعبادة بل حتى بالإنكار حوار.
وفي مجالنا الثقافي لا قيمة لكلمة أو فكرة، إذا لم تكن ضمن حوار وتؤدي إلى حوار، وتؤصل معنى أو معلومة.
ولذلك فإن الكاتب الذي يحاوره قارئه ويضيف إليه هو كاتب محظوظ، فما بالك أن يكون المحاور عالماً مثقفاً جليلاً له باع كبير في علوم ومعارف عديدة، وله بصمة ثقافية نهضوية أثرت وتؤثر في دوائره الوطنية والقومية والإنسانية.
وهذا ما حدث معي بعد نشر مقال الأسبوع الفائت حول ذكريات ريفية مصرية، ذكرت فيها أسماء شعبية لأوعية حفظ الماء، ومنها الخابية، وتلقيت اتصالاً من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة، العالم المثقف الجليل الذي ما إن يخاطبك بصوته حتى تعمك وتشملك طمأنينة من طراز خاص، واستمعت إلى إضافة لم أكن أعرفها من قبل، وهي أن كلمة «الخابية» مفردة موجودة في اللغة الإسبانية حتى الآن، وتحمل الدلالات نفسها؛ أي حفظ الماء وتيسير استخدامه في ري النباتات وسقيا الكائنات والبشر.
وهي إما تنطق الخابية إذا كانت لحفظ الماء للشرب، أو الخبية إذا كانت للري.. أو العكس إذا لم تخني الذاكرة.
ودفعتني إضافة صاحب السمو حاكم الشارقة إلى البحث، فوجدت أن الكلمة في التراث الإسباني تعني الوعاء أو الجرّة الفخارية الكبيرة المستخدمة لحفظ الماء أو الزيت.. وفي الحقب الأندلسية كانت الخابية هي الأكثر شيوعاً لتخزين ونقل وتبريد الماء، وانتقل هذا الإرث الفخاري إلى الثقافة الإسبانية تحت اسم tinaja «التيناخا»، وما زالت الجرار الأندلسية الكبيرة المزينة بالنقوش الهندسية والكتابات الكوفية تعرض في المتاحف الإسبانية كشاهد على تطور صناعة الخزف، مثل جرار قصر الحمراء. ووجدت أن هناك في إسبانيا مدينة تسمى الخابية، تابعة لمحافظة فالنسيا، وسميت كذلك لأن الجبال تحيط بها من ثلاث جهات والبحر من الجهة الرابعة.
ثم سحبني البحث إلى أن الخابية من أعمال مدينة دانية، بلدة الإمام أبي عمر الداني، عالم القراءات والفقه.. ووصلت إلى «شاطبة» المدينة التي ينتمي إليها الإمام الشاطبي، أشهر علماء القراءات.
وهكذا عندما يكون القارئ عالماً مثقفاً فإنه يحفز الكاتب لمزيد من الإجادة.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة