الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
رفيف

السلطة الناعمة للكتابة

26 يوليو 2026 00:03 صباحًا | آخر تحديث: 26 يوليو 00:03 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
تعثر بريما، وهي أستاذة جامعية ومترجمة، على كتاب نادر لمؤلفة ليست معروفة في الهند هي سوفارنا ديفي، التي تكتب بلغة محلية هي الأوردية، ولأنها تعرف هذه اللغة تقرر بريما ترجمة هذا الكتاب إلى الإنجليزية، وتتحمس لفكرة الترجمة هذه بعدما التقت بصديقة قديمة لها تدعى تارا، تبيّن لها أنها تمتلك داراً للنشر، وتريد إنشاء فرع للترجمة في الدار، وهكذا، تقوم تارا الناشرة بتكليف بريما، بترجمة كتاب تلك الكاتبة «الغامضة» سوفارنا ديفي.
ذلك كان مقطعاً ملخّصاً من قصة قصيرة هي في الواقع قصة طويلة للكاتبة الهندية أنيتا ديساي (89 عاماً) وسيكون موضوع الترجمة هو موضوع تلك القصة التي نرى أن البطلتين فيها هما: بريما المترجمة، وتارا الناشرة، وقد نقل هذه القصة إلى العربية علي عبد الأمير صالح.
ما يهمني هنا، وسريعاً، هو الكيفية التي تعاملت بها بريما مع الكتاب المُؤَلّف باللغة الأوردية في الوقت الذي شكّلت فيه هذه اللغة ذاكرة وجدانية حميمة بالنسبة للمترجمة بريما، التي وجدت نفسها وهي تترجم لغة عزيزة عليها أنها ليست مجرّد مترجمة، بل إن اللغة بالنسبة إليها أصبحت ملكها، بل إن لها سلطة على اللغة نفسها.
تقول بريما: «كنت مجرد قناة توصيل، أو بالأحرى حلقة وصل بين تلك اللغة (تقصد الأوردية)، وبين هذه اللغة (تقصد الإنجليزية)، لكنني أنا التي كنت أقوم بالانتقاء والتمييز، وأنا الوحيدة التي تستطيع أن تفعل ذلك، حتى الكاتبة نفسها لا تستطيع فعل ذلك، كنت أفسّر النصّ لها لأنني أمتلك السلطة».
وفي مكان آخر تقول: «أنا التي ورثت هذه اللغة، كنت أفهمها وأفهم سوفارنا ديفي بطريقة ليس بمقدور أحد مجاراتي بها، وذلك من خلال الغريزة والتقمّص العاطفي، لقد جَمَعنا فعل الترجمة معاً كما لو أننا أُختان، كما لو أننا شخص واحد: نصفان منسجمان من كاتبة واحدة».
لقد أصرت بطلة القصة بريما على ترجمة قصة الكاتبة غير المعروفة سوفارنا ديفي. لماذا؟ لأن لغة سوفارنا ديفي هي لغة أم بريما. إنها اللغة الأم للكاتبة والمترجمة، وقد وجدت في لغة أمّها تاريخها وذاكرتها وروحها الباحثة عن جمال الأدب والمعنى في الكلمات، وهي أيضاً وجدت سلطتها في اللغة، بحيث صارت تكيّف النص المترجم إلى لغة أخرى (الإنجليزية) بحيث تشعر باستقلاليّتها الثقافية والنفسية، على الرغم من أن الإنجليزية لغة استعمارية في ذاكرة الهنود.
عموماً، هل الكتابة سلطة؟
هي كذلك، ولكنها سلطة أخلاقية إبداعية، ناعمة، والترجمة بهذا المعنى الثقافي جزء من هذه النعومة.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة