قبل عقدين ونصف العقد من الآن رفعت دبي السقف في المنطقة عندما أطلقت شرارة تملك الأجانب للعقارات السكنية، وطرحت نموذجاً لم يكن متعارفاً عليه آنذاك شكل نقلة نوعية ومفهوماً جديداً لم يعتد عليه التجار التقليديون، وهو «البيع على الخارطة»، الذي يعني ببساطة «شراء شيء الآن واستلامه لاحقاً»، أي شراء المستقبل من الآن.
ولأن دبي دائماً تبتكر و«تفكر خارج الصندوق»، كان عليها أن تصنع المستقبل وتستثمر فيه، وأن تطبق فكر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد الذي يؤمن بأن الأزمات والصعوبات والتحديات تخلق الفرص، بأن أوجدت مساراً جديداً لتجارتها وأعمالها في الساحل الشرقي عبر إنشاء ميناءين يطلان على بحر العرب مرتبطين بميناء جبل علي الشهير الذي يعتبر أحد أكبر موانئ العالم بتعامله مع 19 مليون حاوية سنوياً.
نعم، يشكل مضيق هرمز الذي يتعرض الآن لاختطاف من قبل إيران، تحدياً جديداً ليس لدبي أو الإمارات وحدها، وإنما لدول الخليج والعالم، لكن البقاء منتظرين ل «فك رهن»، لا يفيد، فلا بد من تحرك، فالوقت في دبي والإمارات التي بلغت تجارتها الخارجية غير النفطية نحو تريليوني درهم في ستة أشهر ليس رفاهية، بل مكون أساسي لنجاح الأعمال في عصرنا الحالي.
أثبتت الأحداث الأخيرة أن مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر مائي، بل أصبح متغيراً استراتيجياً يفرض نفسه على اقتصادات المنطقة، لكن الدول الناجحة لا تبني استراتيجياتها على انتظار زوال المخاطر، بل على تقليل الاعتماد عليها، وهذا بالضبط ما تفعله الإمارات.
حبا الله الإمارات جغرافيا أصبحت الآن حاضرة لكي تصبح قوة اقتصادية، والساحل الشرقي الذي يطل على المحيط الهندي أصبح أكثر أهمية، وعلى الجميع الاستفادة منه، وهذا ما فعلته دبي في استثمارها في اتفاقية امتياز لمدة 50 عاماً 2.5 مليار درهم في بناء ميناءين في الرغيبات ودبا الفجيرة.
ولأن الوقت يفرض نفسه بقوة في زمن التحديات، وهو لا ينتظر أحداً، ستعمل دبي على بناء وتشغيل الميناءين خلال فترة قياسية لا تتجاوز عامين ونصف العام، وهي سرعة قصوى لا تحاكيها إلا مشاريع الإمارات حيث تنفذ «أدنوك» خط أنابيب إضافياً لنقل النفط من أبوظبي إلى الفجيرة ينجز قبل نهاية العام.
هنا تكمن الميزة التنافسية الحقيقية، ليست في المال وحده، ولا في الموقع الجغرافي وحده، بل في سرعة القرار، وكفاءة المؤسسات، ومرونة الدولة، وقدرتها على تحويل الرؤية إلى واقع خلال زمن قياسي.
قبل خمسة وعشرين عاماً، اشترت دبي المستقبل عندما ابتكرت «البيع على الخارطة»، واليوم، تشتري مستقبل التجارة العالمية مرة أخرى، ولكن هذه المرة بالموانئ، وبالسرعة، وبالقدرة على اتخاذ القرار قبل أن يدرك الآخرون أن الزمن هو السلعة الأغلى في الاقتصاد.
