كلما بدأت في كتابة مقال أو تعليق على مبادرة يطلقها صاحب السموّ الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة، أجد نفسي مضطراً إلى التريث قليلاً قبل أن أضع النقطة الأخيرة، فمبادرات سموّه المجتمعية والاقتصادية والتعليمية وغيرها لا تكاد تتوقف، وما إن تبدأ الكتابة عن واحدة منها حتى تأتي أخرى، تختلف في تفاصيلها والفئة التي تتوجه إليها، لكنها تلتقي معها عند غاية واحدة ظلت حاضرة في مشروع سلطان على مدى سنوات: الإنسان أولاً؛ لأنه نقطة البداية في التنمية وغايتها في الوقت نفسه.
في الأسبوع الماضي، جاءت مبادرات سموّه التي أسعدت موظفي حكومة الشارقة وأسرهم، برفع مستوى العيش الكريم إلى 20 ألف درهم، ورفع الحد الأدنى لرواتب الخريجين إلى 27 ألف درهم، وما كاد حبر المقال الذي كنت أتهيأ لكتابته عن هذه الخطوة يجف حتى جاءت مبادرة أخرى، بتوجيه سموّه إلى توظيف ألف من كبار المواطنين في حكومة الشارقة بنظام العمل الجزئي. عندها بدا أن عليّ العودة إلى البداية؛ لأن المبادرة الثانية لم تزاحم الأولى، بل أكملتها وأضافت إليها معنى آخر، وأصبح من الأجمل أن نقرأ الاثنتين معاً باعتبارهما جزءاً من فلسفة واحدة ترى الإنسان واحداً في مختلف مراحل عمره.
حين يلتفت قرار سموّه إلى الخريج في بداية طريقه، وإلى الموظف وهو يحمل مسؤوليات أسرته، ثم إلى كبار المواطنين بعد سنوات طويلة من العمل والعطاء، فإننا لا نتحدث عن إجراءات منفصلة بقدر ما نتحدث عن رؤية تنظر إلى المجتمع في امتداده الإنساني كله، وتدرك أن احتياجات الإنسان تتغير من مرحلة إلى أخرى، لكن حاجته إلى الاستقرار والشعور بالقيمة والقدرة على المشاركة لا تنتهي.
وهنا تحديداً يمكن قراءة جانب مهم من فلسفة سلطان في التنمية المستدامة؛ فالتنمية في هذه الرؤية هي إنسان قادر على أن يتعلم ويعمل ويؤسس أسرة ويطمئن إلى مستقبله، ثم يواصل عطاءه وخبرته حين يتقدم به العمر؛ لأن المجتمع الذي يوفر لأفراده أسباب الاستقرار هو في الحقيقة يبني واحدة من أهم ركائز اقتصاده.
فالاقتصاد القوي لا يُبنى بعيداً عن المجتمع، ولا يمكن الفصل بين قوة الاثنين؛ إذ لا إنتاجية حقيقية مع إنسان تستنزفه أعباء الحياة، ولا تنمية مستدامة من دون أسرة مستقرة، ولا اقتصاد معرفة من دون خريج مؤهل يجد بداية تليق بتعليمه وطموحه، كما لا يصح أن نفقد خبرات تراكمت لعقود لمجرد أن أصحابها بلغوا مرحلة التقاعد. المال يبني المشروعات، لكن الإنسان هو الذي يمنحها قيمتها ويضمن استمرارها.
سموّه يؤمن بأن الاستثمار في استقرار الإنسان وتعليمه وأسرته وقدرته على العمل ليس إنفاقاً اجتماعياً منفصلاً عن الاقتصاد، بل استثمار في الاقتصاد نفسه؛ لأن المجتمعات الأكثر استقراراً وقدرة على الإنتاج هي التي تمنح اقتصاداتها القوة والاستدامة على المدى الطويل.
ومن هنا أيضاً تأخذ مبادرة توظيف ألف من كبار المواطنين بنظام العمل الجزئي بعداً يتجاوز توفير فرصة عمل، فالإنسان بعد عقود من الخبرة لا يفقد فجأة قدرته على العطاء، وربما تكون حاجته إلى الشعور بأنه ما زال حاضراً ومؤثراً بقدر حاجته إلى المقابل المادي، كما أن المجتمع نفسه يحتاج إلى هذه الخبرات وإلى انتقالها بين الأجيال. وفي العمل الجزئي مساحة متوازنة تتيح لكبار المواطنين أن يستمروا في المشاركة بما يناسب مراحلهم العمرية، وفي الوقت نفسه تمنح الأجيال الجديدة فرصة الاستفادة من تجربة لم تصنعها الكتب، وإنما صنعتها سنوات طويلة من الحياة والعمل.
أما رفع مستوى العيش الكريم ورواتب الخريجين، فيأتي من إدراك أن الحياة تغيرت وأن متطلباتها لم تعد كما كانت، وأن ما كان يكفي الأسرة في وقت مضى قد لا يفي اليوم باحتياجاتها في السكن والتعليم والصحة والأبناء وشؤون الحياة اليومية، ولذلك فإن مراجعة مستويات الدخل بما يراعي هذا الواقع لا تتعلق بالمال وحده، وإنما بما يوفره الاستقرار المادي من مساحة للإنسان كي يعمل وينتج ويخطط لمستقبله بعيداً عن ضغوط تستنزف طاقته.
وربما تختصر المبادرتان معاً جانباً من الحكاية التي أراد سلطان للشارقة أن تكتبها منذ سنوات: أن تبدأ التنمية بالإنسان كي تنتهي إلى مجتمع أكثر استقراراً واقتصاد أكثر قوة واستدامة، فالخريج الذي يبدأ مطمئناً، والموظف الذي يعمل مستقراً، وكبار المواطنين الذين تبقى خبرتهم حاضرة، ليسوا على هامش العملية التنموية، بل هم جوهرها ورأس مالها الحقيقي.
ولهذا، يبدو أن التريث قبل الكتابة عن مبادرات «سلطان القلوب» أصبح ضرورياً؛ فقد تبدأ المقال وفي ذهنك قرار واحد يستحق الحديث، ثم يأتي قرار آخر قبل أن تضع النقطة الأخيرة، فلا يلغي ما قبله، وإنما يضيف إليه قطعة جديدة من الصورة.
فالمبادرات قد تتعدد، والفئات قد تختلف، والأرقام قد تتغير، لكن فلسفة التنمية تبقى واحدة: حين نبني الإنسان، فإننا نبني المجتمع، وحين يقوى المجتمع، يصبح الاقتصاد أكثر قدرة على أن يكبر ويستمر ويصنع المستقبل.
