الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

معجون تاريخ وسياسة وأدب

1 أغسطس 2026 00:04 صباحًا | آخر تحديث: 1 أغسطس 00:04 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
هل تتابع بعض المجلات الأجنبية المتخصصة في التاريخ والحضارات؟ تحقيقاتهم مختبرات علوم بيولوجية للميراث. كأنهم يحرثون الزمن الماضي، يقلّبون تربة حقبه وأيّامه. الفرق بيننا وبينهم، هو أننا نضع العصور على الرفوف وفي المتاحف.. فتكون للديكور والتحنان والتطريب بالأطلال والتذكير بالأمجاد في بعض المواقف..هم يرون الزمن الماضي كنهر أزليٍّ أبديٍّ والبرايا حلقات في شريط، مقبلٌ فيه وسالف..هو مجرىً حيويٌّ كل شيء فيه حيٌّ دافقٌ دوماً وجارف.
نحن نعلق الميراث على الجدار كلوحة «طبيعة ميّتة». عندما تعلق كائناً حيّاً فأنت تشنقه. بماذا تصف الأمّة، في تعاملها مع إرثها الكلثومي: «إذا بلغ الفطام لنا رضيع»، ونظرية المتنبي الجيوسياسية: «أعلى الممالك ما يُبنى على الأسلِ» (الرماح العوالي)، حين لا يستطيع أربعمئة مليون عربي، أن ينبسوا ببنت تغريدة شبكيّة، بينما رحى الهيمنة تطحن عظام مئات الألوف من العرب؟ الأمّة متخلفة عن المعتصم اثني عشر قرناً، فهو يحيا في عام 3226. علينا أن نتفاءل، فبعد الانتظار الطويل لحدوث هَبّة في الجامعة العربية، بشّرتنا بالتحول التاريخي، فقد «طلبت من الإمبراطور كبح جماح إسرائيل في غزّة». على شركات الإنتاج أن تتلقف الفكرة. بقيت على رمضان ستة أشهر، مدّة كافية لإتحافنا بمسلسل كوميدي يُجلي عن النفس الحزَن.
تلك المجلات المتخصّصة، تُقلّب وقائع الماضي على أوجه جديدة، ولا تركن إلى المسلّمات. هكذا تظل بذور القرون الخالية تغذّي الأجيال بالرؤى الجديدة للقديم. الفيلسوف البريطاني برتراند راسل، قال: «حادثة وقعت قبل أسبوع، بجوار بيتي، رُويت بأشكال شتى، فما بالك بأحداث ما قبل ألفي سنة».
على المثقفين العرب، أن يدركوا أن الميراث الشعري ليس شعراً فحسب، لأن أكثر من نصفه أفكار، لا علاقة لها بالخيال الشعري. قد تعبرون قصائد الفخر والحماسة والرثاء والوصف، مفتونين بالبلاغة، معرضين عمّا هو أوْلى بالتدريس في الكليات الحربية والعلوم السياسية وإعداد الدبلوماسيين. تترنّح الرؤوس على إيقاع البسيط في قصيدة «فتح عمّورية»: «السيف أصدق إنباءً من الكتب». ليست صورةً للإنشاء والانتشاء، بينما «بيض صفائح» الجبابرة، تمزّق أوصال الأمّة، تاركةً لها اجترار ما يطيب لها من «سود صحائف» التاريخ.
لزوم ما يلزم: النتيجة الحذرية: هلوسات القلم عجيبة. تخيّل تدريس معلقة ابن كلثوم، في الكليات العسكرية.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة