هل تدري أن «إنّا وجدنا آباءنا»، لها إيجابيّاتها في كثير من المجالات؟ طريف أن حكيم الصين كونفوشيوس، أوصى قبل خمسة وعشرين قرناً، بأن «على من رام التعبير الموسيقي، أن يستخرجه من كل درجة صوتية». تلك المقولة شقّت مهداً لنهر موسيقي ظل متدفقاً إلى النصف الأوّل من القرن العشرين.
تستطيع تشبيه ذلك بأن الشعراء الجاهليين الروّاد رسموا للقصيدة استهلالها بمطلع غزلي، حتى حين تكون فخراً أو هجاءً، وسار الشعراء على آثارهم إلى ما بعد شوقي. في الكثير من الأغاني الصينيّة ومقطوعات الموسيقى المستقلة (من دون كلام)، يظل العازف يستخرج التعبير من كل نوتة، ما يجعل الإيقاع بطيئاً، حتى يعطي كلَّ درجة مدىً وطنيناً.
العارفون بالموسيقى الصينية التقليديّة، لا يفوت فطنتهم اقتناص الشبه المذهل في الإيقاع البطيء، بين تلك الأعمال الموسيقية، والأغاني المصرية، أوائل القرن العشرين، مثل إيقاع «يا جارة الوادي»، مع تكرار العودة إلى درجة الارتكاز (هنا مقام البياتي). بطء الإيقاع والرجوع المتكرر إلى «الراكز» نقلهما العثمانيون إلى مصر. وهم أخذوها عن الترك المغول، الذين تأثروا كثيراً بموسيقى الصين، مروراً بطريق الحرير إلى الآستانة فأرض الكنانة. كأنك في خيال علمي بأثر رجعي، ولكن الموسيقى بلاد عجائب في غرائب التلاقح.
لم تكن الموسيقى السيمفونية معروفة في الصين قبل منتصف القرن العشرين.عندما زارها كيسنجر تمهيداً لزيارة الرئيس نيكسون (1972)، كان في البرنامج دبلوماسية موسيقية، ففي السنة التالية عرضت أوركسترا فيلادلفيا: السيمفونية السادسة (الريفية)، لبيتهوفن في العاصمة وشنغهاي. ثمّ حدث ما يسميه الفرنسيون «ضربة الصاعقة»، «الحب من أوّل نظرة». بعد عقدين قرّر مؤلف موسيقي صيني مقيم في الولايات المتحدة، العودة إلى وطنه، معلناً في مقابلة ل«بي بي سي»: «إن مستقبل الموسيقى السيمفونية سيكون في الصين». كيف تنبأ بذلك؟ اليوم في بلاد التنين خمسون مليوناً يدرسون البيانو. الأعجوبة هي أن ملك الآلات «تصيّن» وصار عضواً في أوركسترا صينيّة، تضمّ آلات تقليديةً، مثل «آر هو»، (حرفياً:الوتران)، «غو تشانغ» (حرفياً: القانون القديم).
الإلمام بأساليب تأليف الموسيقى السيمفونية والتقنيات رائع، والاستفادة منها في إبداع ما يزين الجذور والهوية الثقافيّة.
لزوم ما يلزم: النتيجة التعادلية: نفوس العرب ربع سكان الصين. لا نريد أكثر من اثني عشر مليون عازف بيانو في بلاد العُرْب أوطاني.
