هل تتصوّر أن القلم أخطأ المرمى في طرح الموضوع؟ لا شك في أن المسألة لا محلّ لها من الإعراب، فالعالم العربي كمنظومة، لا يبدو مصرّاً على بلوغ العالميّة. لكن إثارة القضية مهمّة، لإدراك أن الرغبة كانت موجودة منذ أمد بعيد، غير أن المحاولات لم تسلك الدروب الموصلة إلى الغاية.
أصل المشكلة لا يخلو من الطرافة، الأرجح أنها تعود إلى تلك التراجيكوميديا الخلدونية: «إن المغلوب يقلّد الغالب»، وهي الصيغة المهذّبة لعبارة «عقدة الخواجة». كان القلم قد تحدث مفصّلاً عن أن كلام الأستاذ عبد الرحمن يجب أن يؤخذ بحذر، فهو نصف الحقيقة، فالبلاد العربية عرفت ألواناً من الاستعمار، ولم تقلد الغالب لا في العلوم ولا في الموسيقى الجادّة، لا في البحث العلمي ولا في تطوير التعليم وتحقيقات العلوم الإنسانية، ولا في الصناعة والزراعة وإنتاج العلوم، ولا في التنمية الشاملة.
عقدة الخواجة، وإن شئت نفش ريشها فقل العقدة الخلدونية، انتقلت إلى الثقافة واكتست ثوب التوق إلى العالمية: «الغالب هو الأكثر إبداعاً، فهو القدوة». أضحى هذا الخطأ التحليلي سبباً في فقدان التوازن أمام الغالب، الذي تسيطر قواته على البرّ والبحر (ملأنا البرّ.. وماء البحر)، هو الأفضل هنداماً وتغذيةً وصحةً، لغته أكثر انتشاراً عالمياً، بإيجاز هو رمز التفوق في كل شيء. بهذا الاستدلال، يغدو الغالب مثلاً أعلى ثقافياً أيضاً: هو الأرقى سينمائيّاً، موسيقيّاً، فلسفيّاً، روائياً، تشكيلياً، وهلم ثقافة.
في أوائل القرن العشرين، شهد الشعر العربي «تحويلةً» نحو المدرسة الرومانسية، خصوصاً مع «مدرسة أبولو» المصرية، التي كان لها الفضل في تألّق أبي القاسم الشابي. لكن المنعرج الانزلاقي، الذي كان ينتظر التيارات الأدبية عالمياً، حدث مع نهاية الحرب العالمية الأولى، بظهور الدادية والسوريالية. لقد حطمت الطائرات والدبابات والمدافع أشكال الحضارة الغربية، فقالت أوساطهم الثقافية: ونحن سنحطم أشكال الآداب والفنون. السؤال الاستجوابي: كيف جرفت تلك التيارات الأوساط الثقافية العربية؟ ما الذي حدث في العالم العربي وجذوره وقيم هويته، حتى ينقاد المثقفون والمبدعون، من دون مبرر، إلاّ النزق والاستلابية، إلى تقليد «الغالب» ثقافياً؟ كان المأمول أن تشق تلك الطاقات الإبداعية، لينابيع التجديد دروباً من صميم ماضيها، في تناغم مع تاريخها وتراثها، مثلما فعلت اليابان والصين.
لزوم ما يلزم: النتيجة الفكريّة: روعة الإبداع تتجلّى في بصمة الجذور.
