تختبر العلاقات الدبلوماسية بين واشنطن وباريس واحدة من أشد محطاتها حرجاً في التاريخ الحديث، أزمة لم تعُد مجرّد تباين عادي في وجهات النظر حول قضايا تجارية أو عسكرية، بل امتدت لتلامس الأعراف الدبلوماسية المستقرة بين حليفين تاريخيين، فالتوتر الراهن، الذي بلغت أصداؤه أروقة الأمم المتحدة، يضع الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية في مواجهة مباشرة مع الحزم الأمريكي، ما يكشف عن اتساع الفجوة الرؤيوية بين ضفتي الأطلسي.
تجسد هذا التصعيد، مؤخراً، في دراسة الإدارة الأمريكية خيارات تراوح بين تأجيل أو رفض قبول أوراق اعتماد السفير الفرنسي الجديد المعيّن لدى واشنطن، أوريليان لو شوفالييه، وهي خطوة غير مألوفة بين الدول الحليفة، حيث جاءت كردّ فعل مباشر على انتقادات علنية وجهتها البعثة الفرنسية لدى الأمم المتحدة في جنيف عبر منصات التواصل الاجتماعي، انتقدت فيها موقف واشنطن المعارض لتمديد ولاية مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تفاقم الموقف في انسحاب الوفد الأمريكي من جلسة لمجلس الأمن الدولي أثناء كلمة نظرت فيها عدة ملفات مهمة.
تأتي هذه السجالات الحادة في وقت تعاني فيه العلاقات عبر الأطلسي تراكمات معقدة، بدءاً من الخلافات حول سياسات التجارة والرسوم الجمركية المفروضة مؤخراً، وصولاً إلى التباينات الحادة بشأن إدارة ملفات الشرق الأوسط، والضمانات الأمنية في إطار حلف شمال الأطلسي. وهي صورة تتطابق كليّاً، مع تحذيرات الرئيس إيمانويل ماكرون المتكررة بشأن ضرورة التسريع في بناء «استقلالية استراتيجية»، تجعل القارة الأوروبية أقل اعتماداً على التحولات الجيوسياسية المتقلبة في واشنطن، وتمنحها قدرة أكبر على إدارة شؤونها، الدفاعية والاقتصادية، بشكل مستقل ومستدام، أمام الأزمات القادمة.
من الجانب الأمريكي، تقرأ هذه الانتقادات الفرنسية كخروج غير مقبول عن خط التحالف، ونوع من المزايدة السياسية غير المبررة أمام المجتمع الدولي. في المقابل، ترى باريس أن التعبير عن المواقف المبدئية داخل المؤسسات الدولية يمثل جوهر الدبلوماسية المتعددة الأطراف، وأن الاختلاف في بعض التصورات لا ينبغي أن يهدّد الشراكة التاريخية الممتدة منذ عقود بين البلدين.
خطورة هذا المشهد المتوتر لا تكمن في تأخير اعتماد سفير، أو انسحاب دبلوماسي غاضب من جلسة رسمية فقط، بل في الرسالة السياسية الصريحة التي يبعث بها الطرفان للعالم.
فالعلاقة الدبلوماسية التقليدية بين واشنطن وباريس طالما اعتمدت على الاحتواء والتفاهمات خلف الأبواب المغلقة، بعيداً عن أضواء الإعلام. أما اليوم، فإن انتقال النبرة الناقدة إلى المنشورات الرقمية والسجالات العلنية فيشير إلى مرحلة جديدة من التحول، مرحلة تتطلب إعادة تعريف أسس العمل المشترك، بما يضمن صيانة المصالح المتبادلة من دون التخلي عن الخصوصيات السياسية لكل طرف، فهل يدرك الطرفان ذلك، أم أن الأمور تتجه بينهما لمزيد من القطيعة؟
