تطور الأحداث في غزة يوحي بمزيد من القلق، كما يلقي أيضاً بقدر كبير من الغموض يحول دون الثقة بمحاولة فهم مسارها، أو إدراك أبعادها وغاياتها.
لقد سقط العالم المعاصر، عالم المتناقضات، داخل آبار الظلم فأصبح الكيل بمكيالين شعاره، فتبدلت القيم، وسقطت فيه المبادئ، فلا يعلو إلا مبدأ القوة مهما اعتمدت على ظلم أو جور.
غزة نموذج حي شاهد على فظاعة القرن الحالي، الحروب والقتل، جرحٌ دامٍ لا يبرأ، ولن يبرأ لأن الظلم تمكن في تلك الأرض وتوغل واستشرى، فسدّ كل المسام ومنع التنفس. إن الصور أبلغ من أي قول، حيث يرى العالم كله، عبر الفضائيات، من صور الهول والرعب في غزة ما يقيم ألف دليل على صلف الاحتلال، مشاهد تكشف البشاعة وأصالة الظلم، فقد شاهد الناس أطفالاً صغاراً يعيشون وسط الركام، يصرخون والدموع التي تذرفها الأمهات الثكالى لا تكفي أن يسيل النهر أو تفيض السيول.
تراهم تحت القيظ ووهج الشمس، يفترشون الثرى، ملامحهم ووجوههم التي لفحتها أشعة الشمس المحرقة بين ركام البيوت، أطفال الموت. والتساؤل هل بوسع قتلهم الأطفال أن يخلدوا للنوم؟، وبوسعهم لأن ضمائرهم سبقتهم إلى النوم الأبدي منذ زمن طويل. فالأحداث الدامية في غزة كشفت أن هذا العالم بلا ضمير، ودون أن يدركوا أن العقوبة الكونية قادمة لا محالة، والعذاب الإلهي أنواع، ومن أخطر الأسباب هو الظلم وزوال العدل.
هذا الطوفان من التدمير وقتل الأبرياء عقوبته واردة. وهذا واقع الآن في غزة، فالأطفال يموتون بلا رحمة، حتى الحيوانات يثير قتلها جمعيات الرفق بالحيوان بينما يفتقد أطفال غزة هذا الحق، يحلمون بموت حنون، موت لا عذاب فيه، موت تعقبه مقبرة تضم الرفات وتسمح للجثث بالتحلل. أمهات غزة يطمعن فقط في أن يموت أطفالهن في أحضانهن، وأن تكون صدورهن الجافة مقبرة للبراءة التي سحقها العالم المعاصر والكذب المتسلل والعدل المختفي والظلم القاهر.
نساء غزة رضين بقاعدة الموت، لكنهن يطالبن بالموت رفقاً، إلا أن العالم يبخل عليهن بهذا الحق، الحرمان من كل احتياجات الحياة، حتى الماء والطعام. من يرصد الواقع المعيشي في غزة المنكوبة يراه واقعاً بالغ الصعوبة. فالشعب الفلسطيني يتعرض إلى ضغوط تستهدف المساس بوجوده عن طريق كسر إرادته، الأمر الذي يتطلب وقفة كبيرة من كل الشعوب الحرة في العالم في سبيل إنقاذ هذا الشعب من الهلاك والدمار.
دمرت غزة بالكامل، بيوتها وسكانها، ومؤخراً، خلّدت البشرية اليوم العالمي لحقوق الإنسان، وهو ما يشكل فرصة لدعوة متجددة ومستمرة للكرامة البشرية. ولكن للأسف، حقائق القوة لا الشرعية الدولية هي الضابط لإيقاع هذه القوة التي تدوس الحق بأقدامها. ولذلك، إن كل دولة تجعل من القوة مشربها الأوحد فإنها تنحرف عن هدفية الحياة وتصبح عبئاً على الإنسان وحضارته.
فالتاريخ، لا يزال، يؤكد بأن ارتكاب الجرائم يعود في جزء كبير منه إلى أن مرتكبيها يعتقدون أنهم أصحاب الحق، يملكون تفسيره وتبريره، وأنهم فوق الأخلاق والقيم وليس عندهم الرحمة بالمفهوم البسيط وليس عندهم مشكلة في القسوة، وينعدم الشعور بالذنب ويمارسون العنف بالسلطة المطلقة لقتل الأبرياء. فهذه الجبلة التبريرية في الطبيعة البشرية قد تسببت على مر العصور بفظائع لا حصر لها، وجلبت على الإنسانية من الشرور والمظالم، وأنواع القهر، ما يفوق قدرة الخيال.
لقد اهتم علماء النفس بهذه الظاهرة البشرية، وأجروا التجارب لقياس انتشار هذه الظاهرة، فجاءت النتائج مفزعة، وتدل على أن المستبد لا يجد صعوبة في حشد الناس لتنفيذ ما يهواه. ولذلك منظمات حقوق الإنسان في العالم صامتة عن الجرائم الإسرائيلية، وبخاصة ضرب الجيش الإسرائيلي منازل المدنيين الآمنين وتدميرها بقنابل المدفعية والدبابات وبالصواريخ المضادة للدروع. ويوم الثلاثاء الماضي، تم تدمير وإحراق عائلة كاملة، وخلفت الغارة 6 شهداء بينهم الأب والأم وأطفالهما الأربعة، أبادها الاحتلال حرقاً وشطبها من السجل المدني.
أيها الطفل الفلسطيني المرابط في أرضك الصابر، الفتى الصغير، يا من وهبت الأرض روحك وسقيت الفولاذ دمك، يا من جعلت جمجمتك متراساً ضد قنابل الأعداء، وصدرك العاري حاجزاً يصد طائراتهم، وأنت ما تلبث أن تسقط حتى تقوم تلملم لحم أخيك المتناثر في كل اتجاه، تجمع شظايا عظامه من كل صوب، وتضغط على جرح والدك العميق النازف، اليوم تعلم العالم البطولة والصمود، وتقرع جدران التاريخ صارخاً «البطولة ليست في الكلمات». بنضالك وبصبرك تغير الجغرافيا، وتكتشف به زمنك وحضورك وصمودك، أثبت أن الصغار كبار، وبإيمانك بوطنك اجعل فجراً جديداً لأرضك يسطع في الروح ويلمع في الأعماق.
