في المشهد الأدبي والثقافي المعاصر، تظهر على السطح العديد من الظواهر التي تحتاج إلى تمحيص وتنقيب لمعرفة الأسباب التي تقف وراءها. ومن ضمن تلك الممارسات الغريبة التي برزت مؤخراً، ما يمكن تسميته ب«أدب المقاولات»، وهو نمط من «الإنتاج الإبداعي» يسعى نحو التسطيح والتضحية بعمق الفكرة لمصلحة حسابات الأرقام، ومنطق الربح السريع الذي لا يعترف إلا بلغة السوق، واحتياجات المستهلك الآنية، وهو بذلك نوع من التجارة في الإبداع أفرزته ثقافة عصر «الاستهلاك».
«أدب المقاولات» تشخيص لحالة من التراجع الكبير الذي أصاب جسد الثقافة. ويبدو ذلك أكثر وضوحاً في حراكنا الثقافي العربي، إذ تحول الكاتب من صاحب فكرة، وصانع محتوى جمالي إنساني، إلى مجرّد ترس في آلة إنتاجية ضخمة تهدف إلى ضخ أكبر كمية ممكنة من الورق المطبوع الذي لا يحمل مضموناً.
وربما تبدو ملاحقة الأسباب التي أدت إلى ظهور ذلك الشكل المتدني من الأدب ضرباً من المغامرة التي تستوجب اللجوء إلى جملة من المعارف والمناهج للنجاح في هذه المهمة، إذ تعود الجذور العميقة لظهور هذا التيار إلى جملة من التحولات السوسيو-اقتصادية، وعلى رأسها سيادة المنطق الرأسمالي المتوحش الذي سلّع كل شيء، بما في ذلك الفكر والفن.
وأمام ذلك، نلاحظ الاختفاء التدريجي لقدر كبير من المعايير، الجمالية والإبداعية الصارمة، التي ظلت تحكم جودة العمل الأدبي، لمصلحة معايير أخرى حديثة، تتعلق بمدى قدرة الشكل، والغلاف، والتصميم، على جذب العين، أو مدى مواكبة المحتوى ل«التريند» السائد على منصات التواصل الاجتماعي. وكان من نتائج ذلك ضياع المضمون.
لقد كانت البداية في طريق الاستسهال الذي أصبح نمط حياة، هي الثورة التكنولوجية الرقمية التي تم توظيفها بشكل يسيء للفعل الثقافي الإنساني، فبقدر ما أن الرقمنة أتاحت الفرصة للجميع للنشر والتعبير، إلا أنها ألغت دور «حارس البوابة» الثقافي، أو الناقد الحصيف، ما سمح بفيضان من الكتابات السطحية التي تجد طريقها بسهولة إلى نوع من القراء يبحثون عن تسلية عابرة، لا ترهق عقولهم، ولا تستفزهم للتفكير.
إن أدب المقاولات يعتمد في جوهره على «الوصفات الجاهزة»، فهو يستخدم لغة بسيطة حد الابتذال، وحبكات درامية سطحية مستوحاة من الأفلام التجارية لتحقيق أعلى نسبة مبيعات، في أقصر وقت ممكن، ما يفسد الوعي والذائقة، ليتسرب إلى الأجيال الجديدة أن الأدب ما هو إلا هذا الضجيج الورقي الذي يشبه صخب العالم المعاصر الخالي من المعنى. وذلك يشير إلى أننا نشهد موجة عاتية يتبدل فيها مفهوم الأدب، ما يتطلب حالة من المواجهة.
