الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

اغتيال التاريخ

3 أغسطس 2026 00:01 صباحًا | آخر تحديث: 3 أغسطس 00:01 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
أكثر من 700 طن من المتفجرات الإسرائيلية نحرت، قبل أيام، محيط قلعة الشقيف الأثرية والتاريخية على مسافة 1200 متر، محدثة هزة في جنوب لبنان بلغت شدتها 3.8 درجة على مقياس ريختر، ووصلت ارتداداتها إلى أبواب بيروت، وربما وصلت ارتداداتها السياسية إلى العاصمة الإيطالية روما وما بعدها.
صحيح أن القلعة لم تُمس بشكل مباشر، وفق ما تقول وزارة الثقافة اللبنانية، ولكن يصعب معاينة الأضرار التي لحقت بها جراء الاهتزازات العنيفة واحتمال حدوث انهيارات داخلية، لكونها لا تزال تحت الاحتلال. ولكن الثابت أن معالم محيطها الجنوبي لجهة يحمر الشقيف، بما في ذلك جرفها الصخري، قد تغيرت على نحو جذري. وقبل الحديث عن موقع القلعة الاستراتيجي وأهميتها الدفاعية باعتبارها إحدى أهم النقاط الحاكمة في جنوب لبنان، لا بد من الإشارة إلى قيمتها التاريخية والثقافية، إذ تعد القلعة أحد أبرز المعالم التاريخية والتراثية في جنوب لبنان، وهي واحدة من أهم وأشهر القلاع الصليبية في بلاد الشام. كان الصليبيون قد أطلقوا عليها اسم قلعة «بوفور» أي «الحصن الجميل»، وانتزعها صلاح الدين الأيوبي بعد حصار طويل، قبل أن يستردها الصليبيون لفترة، حتى سيطر عليها المماليك بقيادة الظاهر بيبرس عام 1268. وعلى الرغم من أن الرومان هم أول من أرسى تحصيناتها الأولية، إلا أن الصليبيين هم الذين وسَّعوها بشكل كبير وشيّدوا معظم أبنيتها الحالية خلال فترة وجودهم في المنطقة. وهي تحظى منذ عام 2024 بصفة «الحماية المعززة» بموجب البروتوكول الثاني الملحق باتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة. كما أدرجتها منظمة «اليونسكو» مؤخراً، ضمن قلاع جبل عامل، على قائمة التراث العالمي المعرّض للخطر، في تأكيد جديد على قيمتها الثقافية الاستثنائية.
ومن الناحية الدفاعية، لطالما ظلت القلعة حاضرة في ميدان الحروب قديماً وحديثاً، غير أن ما يعنينا هو التاريخ القريب، حيث تحولت القلعة منذ سبعينيات القرن الماضي إلى ميدان للصراع بين إسرائيل والمقاتلين الفلسطينيين وحلفائهم اللبنانيين، وشهدت عام 1982 أعنف المعارك العسكرية، إلى أن احتلتها إسرائيل حتى عام 2000. ويشير الخبراء إلى أن أهمية القلعة العسكرية لم تتراجع عما كانت عليه سابقاً، إذ إن من يسيطر عليها يسيطر عملياً على مناطق واسعة جنوب الليطاني، علاوة على إصبع الجليل ومستوطنات الشمال الإسرائيلية. وبحسب هؤلاء، فإن «القلعة تضم ممرات وأنفاقاً تاريخية قديمة تصل إلى نهر الليطاني في الأسفل، وهي موجودة منذ أيام الصليبيين، وليست أنفاقاً مستحدثة، ما يمنح الموقع قيمة دفاعية إضافية». غير أن الأمر يتجاوز البعد العسكري إلى تدمير التراث الإنساني والحضارة التاريخية، وهو يتلاقى مع تدمير المواقع الأثرية والتراثية في كل أنحاء الجنوب اللبناني، سعياً لاغتيال التاريخ وشطبه من الذاكرة الجمعية اللبنانية أولاً، واستغلال التصعيد الميداني لفرض واقع جديد يضغط على مسار المفاوضات ونتائجها المحتملة.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة