قبل أيام، وبينما كنت أجري حواراً سياسياً مع الدكتور سمير جعجع على شاشة «سكاي نيوز عربية»، قلت له بعفوية: «اشتقت إلى لبنان... لم أزره منذ نحو خمسة عشر عاماً». ابتسم، ثم أجابني بجملة بقيت ترافقني طوال زيارتي: «ونحن أيضاً نشتاق إلى لبنان». كانت إجابة تختصر قصة وطن بأكمله.
وصلت إلى بيروت، فوجدت مدينة صامدة، ورغم كل ما مر بها، لم تفقد قدرتها على الابتسام، شوارعها تحمل آثار السنوات القاسية، لكن وجوه أهلها ما زالت تحمل ذلك الإصرار الذي عرفه كل من أحب لبنان يوماً، هنا تدرك أن هذا البلد لا يقاس بحجم أزماته، بل بقدرته العجيبة على النهوض بعد كل سقوط.
لبنان ليس مجرد مدن جميلة وجبال وبحر، بل ذاكرة عربية كاملة، هو صوت فيروز الذي جعل ملايين العرب يستيقظون على بيروت حتى وهم بعيدون عنها، وهو المسرح، والكتاب، والقصيدة، والأغنية التي صنعت وجدان أجيال كاملة، بلد صغير في الجغرافيا، لكنه كان كبيراً في الثقافة، وفي تأثيره على العقل العربي.
ولم يقتصر حضوره على أرضه، ففي الإمارات، عاش اللبنانيون بيننا عقوداً، بمختلف طوائفهم وخلفياتهم، وأسهموا في الإعلام والتعليم والطب والهندسة والثقافة والأعمال، كانوا جزءاً من قصة التنمية، وشركاء في بناء مؤسسات كثيرة، فكانت العلاقة بين البلدين علاقة إنسانية قبل أن تكون سياسية.
اليوم، يبدو أن لبنان يقف أمام فرصة جديدة، فاستعادة القرار الوطني، وبناء الدولة، وإنعاش الاقتصاد، ليست مسؤولية السياسيين وحدهم، بل مسؤولية شعب عرف دائماً كيف يحوّل المحنة إلى بداية جديدة.
وأنا أتجول في مدن وجبال لبنان وأقف أمام بحره، أدركت أن الشوق لم يكن إلى بلد فقط، بل إلى فكرة، إلى لبنان الذي أحببناه جميعاً، لبنان الذي جمع العرب حول حوارات ثقافية، وحول صحيفة، وحول مقهى.
والحقيقة التي رأيتها أن لبنان لا يزال موجوداً، ينتظر فقط أن يستعيد نفسه، لأن الأوطان التي تمتلك هذا القدر من الحياة قد تتعب، لكنها لا تعرف الاستسلام.
X: @MEalhammadi
