جلستُ مع كاتب شاب طلب رأيي في كتابه، توقعت نقاشاً حول الفكرة والمضمون، لكنه انشغل بتصوير الكتاب، وتصوير الجلسة، وبث اللحظة على حساباته. لم يسألني: ماذا تقول عن كتابي؟ بل قال للعالم: انظروا، أنا هنا.
خرجت وبقي سؤال يرافقني: متى انفصلت صورة الإنسان عن حياته؟
قديماً كان الإنسان يغيّر نفسه، فتتغيّر صورته. كان التحول يبدأ من الداخل، ثم ينعكس على الخارج من دون قصد.
اليوم يغيّر صورته، على أمل أن تتغيّر نفسه، وكأن الصورة تختصر رحلة لا يمكن اختصارها. لم يكن ذلك الكاتب يخدع أحداً. هو فقط، مثل كثيرين، ظن أن التوثيق يمكن أن يكون بديلاً عن التجربة.
لكن المشهد، كلما استعدته، جرّني إلى نفسي. لم أستطع أن أحكم عليه بارتياح كامل. تذكرت مرات أعلنت فيها عن شيء لم يكتمل بعد، كأن الإعلان نفسه كان يمنحني شعوراً مؤقتاً بأنني اقتربت، مع أنني كنت ما أزال في بداية الطريق.
ثم أدركت أن المسألة أعمق من الرغبة في أن يرانا الآخرون. ربما لا نحاول إقناع الناس بقدر ما نحاول أن نؤجل مواجهة أنفسنا، فالصورة تمنحنا، للحظات، فرصة أن نرى الشخص الذي نتمنى أن نُصبحه، قبل أن نعيش الرحلة التي تصنعه.
نعلن عن مشروع قبل أن يبدأ، وننشر اقتباساً قبل أن نستوعبه. وما إن نعلن البداية حتى نشعر بشيء يشبه الإنجاز، مع أن الرحلة لم تبدأ بعد. وربما لهذا يختلط علينا أحياناً الشعور بالفعل نفسه، فنكتفي بالإعلان، بينما يبقى العمل ينتظرنا في مكانه.
كلما قرأت هذا المشهد من جديد، بدا لي أن الصورة ليست المشكلة. نحن فقط بدأنا نطلب منها أكثر مما تستطيع أن تمنحنا، فهي تخبر الآخرين أين كنا، لكنها لا تستطيع أن تقول ماذا تغيّر فينا، فالإنسان الحقيقي لا يتكوّن أمام الناس. أكثر ما يصنعه يحدث في الأماكن التي لا يراه فيها أحد.
ولهذا، أخشى أن تكون علاقتنا بصورتنا قد تغيّرت أكثر مما تغيّرنا نحن. نقضي وقتاً طويلاً في بناء النسخة التي يراها الآخرون، بينما تظل النسخة التي سنعيش معها مؤجلة، وكأنها تستطيع أن تنتظر أكثر.
وأتذكر ذلك الكاتب اليوم، فلا يشغلني إن أنهى كتابه، يشغلني سؤال واحد: هل عاش الرحلة التي حاول أن يختصرها بصورة؟
