أحظى، الآن، بالاستمتاع بقراءة مجموعة كبيرة من القصص الشعبية جمعها الباحثان أحمد الشّاهي وتِمْ مور، وجُمعت هذه القصص أو أغلبها من أفواه رواة القبائل النيلية التي تسكن شمالي السودان ووسطه (المنطقة التي تمتد جنوباً من الحدود السودانية المصرية حتى بعد ملتقى النيلين الأزرق والأبيض بقليل) مثلما جاء هذا الوصف الجغرافي في كتاب «حكمة من النيل»، وهو العنوان الذي اختاره الباحثان لمجمل هذه القصص، التي أقرأها للمرة الأولى، وأذهب بعيداً في فطريتها وشعبيتها التلقائية والتي تؤكد لي من جديد طيبة وعفوية السوداني وعبقرية مخيّلته وهو يروي الحكايات، ويستمتع بها هو أيضاً، مثلما، يستمتع بحراثة أرضه وزراعتها وحصادها بين أولاده وعائلته، وماشيته التي تشكل أجمل اقتصاد فطري عرفه الإنسان قبل أن تدمّره ثقافة الحرب وجشع جنرالاتها المتهوّرين.
أقرأ هذه القصص، وتحت عيني صورة الحرب الدائرة الآن في السودان. حرب الطمع، والعناد، والغرور. حرب جنرالات لا يقرأون الكتب، ولا يعرفون كنوز بلادهم التي دمّروها بالسلاح والكذب والمبالغات.
ذلك هو السودان الأوليّ، والمشيمي إن جازت العبارة. سودان الريف بمزارعيه الأفذاذ طوال القامة، وطوال الأرواح، وهم يزرعون الحنطة والذرة والنخيل والمانجا والليمون، فلا تعرف بلادهم الجوع، وفي قلب هذه الحيوية البشرية الريفية لا ينقطعون عن سرد القصص، بلغتهم (العارية)، والعراء في اللغة يعني بياضها وطهرها الأبجدي الأول، قبل توحش ثقافة المادة والاستغلال.
رُواة هذه القصص، كما جاء في مقدمة الكتاب (إصدارات مركز عبدالكريم ميرغني الثقافي ٢٠١٧) ينتمون إلى أصل عربي وغير ذلك (..وتفتخر القبائل السودانية بأصلها العربي)، كما تنتمي مجموعة أخرى من رواة هذه القصص إلى قبائل الدناقلة والمحس، وتنتمي مجموعة أخرى إلى الفونج والمماليك والمواليد.
أدب شعبي سوداني أبيض، لم يتلوّث بمصطلحات أو مفاهيم أو أيديولوجية، أدب كما هو ساخن وَمُخَمّر بعرق الناس ومخيّلاتهم المفتوحة على الشمس التي يكدّون تحتها وهم يقولون الشعر بالسليقة، فإذْ به أبو البلاغة.
ترى، هل يعود هذا الأدب إلى عبقرية النهر، نهر النيل الذي صبغ هذه القصص بطبع الماء، أي طبع الجريان؟.. فكل شيء يجري، ويتحرك، ويتنفس في هذه اللغة الشعبية التي تحوّلت إلى كائنات حية، مثلها مثل البشر الذين يموتون اليوم تحت عصيّ وجزمات الجنرالات، وتموت أيضاً القصص والحكايات والأشجار.
