من المضحكات المبكيات في سيرة الحرب الروسية -الأوكرانية، التي تُكمل سنواتها الأربع والنصف هذا الشهر، أنّها لم تشهد، على الأقل منذ بداية 2026، أي تطور عملياتي، برغم ضراوة الهجمات والهجمات المضادة، أو أي اختراق سياسي على صعيد وقف إطلاق النار سوى اتساع ما يصفه العسكريون بأنه «منطقة القتل» في ساحة المعركة. فقد أصبحت طائرات الاستطلاع والطائرات المسيّرة الهجومية الآن تراقب مساحة واسعة عبر أجزاءٍ من الجبهة، ما يجعل تمركزات القوات، والهجمات المدرعة التقليدية، وحركات الإمداد المنتظمة أكثر عرضةً للاستهداف. ونتيجة لذلك، أصبح الجنود يعملون في مجموعات صغيرة، ويستخدمون الدراجات النارية، أو يتنقلون سيراً على الأقدام، ويقضون فترات طويلة في المخابئ والخنادق الفردية.
وقد عززت التطورات الأخيرة التقديرات بأن حرب أوكرانيا دخلت مرحلة طويلة الأمد من الاستنزاف القائم على التكنولوجيا؛ حيث ولج الصراع في مرحلة جديدة تعتمد على الطائرات المسيّرة، والصواريخ بعيدة المدى، والحرب الإلكترونية. فقد واصلت روسيا ممارسة ضغط مكثف على المدن الأوكرانية عبر هجمات مُكثفة ومتكررة بالصواريخ والطائرات المسيَّرة، خلّفت عدداً كبيراً من القتلى والجرحى، وكشفت عن أنّ استمرار النقص في تغطية الدفاعات الجوية يمثل ثغرة استراتيجية حرجة بالنسبة لأوكرانيا. وبصفة خاصة، واصلت روسيا استهداف الموانئ الأوكرانية ومنشآت البنية التحتية في البحر الأسود، ومحطات الوقود الأوكرانية.
وفي الوقت نفسه، كثفت أوكرانيا هجماتها على البنية التحتية الروسية في قطاعات الطاقة والصناعة والخدمات اللوجستية، ضمن عملية امتدت من الحدود الأوكرانية إلى منطقة الأورال، بل ووصلت إلى بحر قزوين حيث تم قصف سفن روسية و(إيرانية) تحمل إمدادات عسكرية من روسيا إلى إيران أو العكس. وتقوم الاستراتيجية الأوكرانية على رفع كلفة الحرب وتقويض القدرات الاقتصادية والعسكرية الروسية.
وفي ساحة المعركة، لم تتمكن أي من القوات الروسية أو الأوكرانية من تحقيق أي اختراق عملياتي أو مكسب استراتيجي، ولم تشهد الجبهة، التي يبلغ طولها نحو 1200 كيلومتر، سوى تقدم محدود، والتمترس خلف مواقع دفاعية متفرقة، إضافة إلى الخسائر البشرية المرتفعة. وهكذا، تم تكريس حالة «الحرب الموضعية Positional War» على جميع الجبهات.
وعلى الدعم الغربي للمجهود الحربي الأوكراني، وضعت قمة حلف شمال الأطلنطي (الناتو)، في 7 و8 يوليو الفائت، في أنقرة الدعم طويل الأمد لأوكرانيا في صميم الأجندة الاستراتيجية للحلف؛ ما يصب في استمرار القتال، ومن ثم الاستنزاف العسكري. وأكد قادة الحلف أن أوكرانيا تسهم في أمن المنطقة عبر الأطلسي، وتعهدوا بتقديم نحو 70 مليار يورو، في صورة مساعدات عسكرية وتجهيزات وتدريب للقوات الأوكرانية لعام 2026. كما أكد الحلفاء التزاماتهم السيادية بالحفاظ على مستويات دعم لا تقل عن تلك المقدمة في عام 2026 خلال عام 2027. ورحبوا، كذلك، بقرار الاتحاد الأوروبي توفير تمويل متعدد السنوات من خلال قرض دعم أوكرانيا. كما التقى الرئيس فولوديمير زيلينسكي بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب في واشنطن (28 يوليو)؛ لبحث تعزيز قدرات الدفاع الجوي الأوكرانية.
وفي أعقاب تقارير عن مناقشات بين مسؤولين أمريكيين وأوكرانيين بشأن مقترح محتمل لوقف إطلاق النار في المجال الجوي، صرّح الكرملين بأنه «من المبكر جداً» التعليق على المبادرات الجديدة للسلام، مضيفاً أن أي مقترحات مستقبلية ستُقيَّم وفقاً للمصالح الروسية، بينما يظل الحوار مع واشنطن مفتوحاً. كما أكدت موسكو مجدداً أنها ستواصل عملياتها العسكرية حتى تحقيق أهدافها، رغم إبدائها استعداداً للنظر في أي مقترحات أمريكية مستقبلية.
وما زالت الفجوة بين الخطاب الدبلوماسي والواقع الميداني تمثل العقبة الرئيسية أمام المفاوضات. ولا يبدو أن أياً من الطرفين مقتنع حالياً بأن التسوية تحقق فوائد أكبر من مواصلة الضغط العسكري. وقد يعزز التزام الناتو قدرة أوكرانيا على الصمود، ويحد من توقعات موسكو بأن يتراجع الدعم الغربي بسرعة.
ولذلك، يظل التوصل إلى تسوية شاملة أمراً غير مرجح في المدى القريب، برغم الحديث، عقب قمة ترامب - زيلينسكي، عن تحرك دبلوماسي أمريكي مرتقب نحو كييف في إطار الجهود الرامية إلى التوصل إلى تسوية للحرب. وتتمثل الأولويات الدبلوماسية الأكثر واقعية في حماية البنية التحتية للطاقة والتجارة، والحد من الهجمات على المناطق المدنية، ودعم عمليات تبادل الأسرى، واستكشاف ترتيبات محدودة لوقف إطلاق النار. ولن تؤدي هذه التدابير إلى حل النزاع، لكنها قد تسهم في الحد من مخاطر التصعيد، وفي حماية الترابط الإقليمي، والحفاظ على قنوات التواصل لإجراء مفاوضات مستقبلية.
وبالنسبة لاتجاهات المرحلة المقبلة، يُرجح استمرار حرب الاستنزاف المعتمدة على التكنولوجيا والطائرات المسيّرة، ونمط القتال الموضعي على طول الجبهة، مع تصاعد سباق الإنتاج الدفاعي بين روسيا وأوكرانيا وحلفائهما. وفي الوقت الذّي تظل احتمالات التسوية الشاملة ضعيفة على المدى القريب، تتسع منطقة القتل تدريجياً على طول جبهات القتال.
