لم تعد الشراكة الإماراتية – التشادية محكومة باعتبارات التعاون الثنائي التقليدي، بل أصبحت ترتبط بصورة متزايدة بالتحولات الجيوسياسية التي يشهدها الإقليم، وتسعى دولة الإمارات العربية المتحدة إلى ترسيخ نموذج للشراكات التنموية المستدامة في القارة الإفريقية، وتتوافر أمام البلدين فرصة لبناء علاقة استراتيجية تتجاوز الاستثمار والمساعدات الإنسانية إلى الإسهام في صياغة معادلات الاستقرار الإقليمي.
وتبدو الإمارات شريكاً تنموياً يمتلك خبرة واسعة في تنفيذ مشروعات البنية التحتية، والاستثمار الزراعي، والطاقة، والخدمات اللوجستية، فضلاً عن برامج الدعم الإنساني، وهو ما يمنح الشراكة مع تشاد بُعداً يتجاوز التمويل إلى دعم بناء الدولة وتعزيز استقرارها على المدى الطويل. ويعكس ذلك منتدى الإمارات – تشاد الذي عقد عام 2016، إضافة إلى إطلاق حكومة تشاد رؤيتها «تشاد كونيكشن 2030» من العاصمة أبوظبي، والتي تستهدف استقطاب استثمارات بقيمة 30 مليار دولار في مختلف المجالات والقطاعات الاستراتيجية.
وفي المقابل، تفرض البيئة الأمنية المحيطة بتشاد تحديات متصاعدة تمنح هذه الشراكة أهمية أكبر، لا سيما في ملف مكافحة الإرهاب. ففي منطقة بحيرة تشاد، تواصل جماعة بوكو حرام وتنظيم داعش في غرب إفريقيا محاولات إعادة تنشيط عملياتهما وتنفيذ هجمات جديدة، ما يهدد بنسف المكتسبات الأمنية الميدانية.
ويدفع هذا الخطر المتنامي نجامينا إلى تعزيز التنسيق مع دول حوض بحيرة تشاد، واستعادة مستويات أعلى من التعاون مع دول الساحل لمواجهة التهديدات العابرة للحدود. وهنا تبرز قيمة الدور الإماراتي في دعم مقاربة شاملة لمكافحة الإرهاب تربط بين الأمن والتنمية، إذ تسهم أبوظبي في تمويل مشروعات تنموية في المناطق الهشة الأكثر تعرضاً للاستقطاب من قبل الجماعات المتطرفة، إلى جانب تقديم الدعم اللوجستي، وتطوير الكفاءة العملياتية للقوات التشادية، وتعزيز قدرات الدولة على تجفيف منابع تمويل الإرهاب ومواجهة الفكر المتطرف.
ويمثل هذا النهج رؤية أكثر استدامة مقارنة بالمقاربات العسكرية التقليدية، إذ يركز على معالجة الجذور الاقتصادية والاجتماعية التي تسهم في انتشار التطرف والعنف.
كما تمثل الحدود الجنوبية لليبيا أحد أهم محددات مستقبل هذه الشراكة، نظراً لما تشهده من نشاط للفصائل المسلحة وشبكات تهريب السلاح والمقاتلين.. ومن ثم، يفتح ذلك المجال أمام توسيع التعاون الإماراتي – التشادي في مجالات مراقبة الحدود عبر التقنيات الحديثة، ودعم البنية الأمنية لمكافحة شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود، وتنمية المناطق الحدودية بما يقلل من قدرة الجماعات المسلحة على استغلال الفراغات الأمنية.
وفي الاتجاه نفسه، تعيد التطورات في جمهورية إفريقيا الوسطى رسم البيئة الأمنية المحيطة بتشاد، وتشديد الرقابة على الحدود. وقد يدفع ذلك نجامينا إلى تعزيز دورها كمركز لوجستي يربط بين وسط إفريقيا ومنطقة الساحل، وهو ما يتوافق مع الاهتمام الإماراتي بالاستثمار في البنية التحتية وسلاسل الإمداد.
ومن شأن هذا التوجه أن يحول تشاد إلى منصة اقتصادية إقليمية تعزز حركة التجارة والاستثمار، وتحد من انتشار الفقر، الذي يمثل إحدى البيئات الخصبة للتطرف وعدم الاستقرار.
وتستند هذه الفرص أيضاً إلى توجه السياسة الخارجية التشادية نحو تنويع الشركاء الدوليين، فالرئيس محمد إدريس ديبي يسعى إلى الحفاظ على العلاقات مع فرنسا، والانفتاح على روسيا، وتطوير التعاون مع القوى الخليجية، بما يعكس رغبة واضحة في تحقيق استقلال استراتيجي بعيداً عن الاستقطابات الدولية.
وفي هذا السياق، تبرز الإمارات بوصفها شريكاً يحظى بقبول واسع، نظراً لاعتمادها نموذجاً يقوم على الاستثمار والتنمية واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وهو ما يمنح العلاقات الثنائية قابلية أكبر للاستمرار والتوسع.
وتكتسب هذه الشراكة بُعداً إضافياً في ظل استمرار التدهور الأمني في مالي والنيجر، حيث تتزايد الحاجة إلى أدوار إقليمية أكثر فاعلية في مكافحة الإرهاب وإدارة الأزمات. ويتقاطع ذلك مع الرؤية الإماراتية الداعمة لبناء مؤسسات الدولة، ومكافحة التطرف، وتعزيز الأمن الإقليمي والدولي.
كما أن التطورات في نيجيريا، سواء المرتبطة بإعادة ترتيب أولويات التعاون الأمني مع الولايات المتحدة أو بالاستحقاقات الانتخابية المقبلة، قد تؤدي إلى تغيرات في معادلة مكافحة الإرهاب داخل حوض بحيرة تشاد، بما يفرض على نجامينا أدواراً إضافية في حماية الإقليم من تمدد الحركات الإرهابية.
ومن ثم، فإن وجود شريك يمتلك القدرة على تقديم الدعم الاقتصادي والإنساني والسياسي، ويدرك أبعاد المواجهة الفكرية والعسكرية مع الإرهاب، مثل دولة الإمارات، سيصبح أكثر أهمية خلال المرحلة المقبلة.
لذلك، فإن مستقبل العلاقة بين البلدين لن يقتصر على توسيع الاستثمارات أو المساعدات، بل سيتجه نحو بناء شراكة استراتيجية تجعل الإمارات أحد أبرز الداعمين لاستقرار تشاد ومكافحتها للإرهاب، وتجعل من تشاد، بدورها، بوابة رئيسية للحضور الإماراتي في قلب إفريقيا، بما يمنح هذه الشراكة دوراً متنامياً في إعادة تشكيل معادلات الأمن والتنمية في الإقليم بأكمله.
* خبير العلاقات الدولية – تخصص شؤون إفريقية
