لا تنظر دولة الإمارات إلى تراثها بوصفه صفحات محفوظة في كتب التاريخ، أو مقتنيات تستعاد ذكرياته في المناسبات، بل تتعامل معه كذاكرة حية تحمل ملامح الإنسان والمكان، وتمنح الأجيال مفتاحاً لفهم الطريق الذي قطعته من عناء في حياة الصحراء والبحر إلى دولة حديثة تستشرف المستقبل، وفي هذا الإطار الإنساني، يتجلى اهتمام صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، بالحفاظ على التاريخ الوطني وتوثيق مفرداته، وتحويل عناصر الموروث إلى جسور تصل الماضي بالحاضر .
ويتجلّى اهتمام ، بالتراث والتاريخ الوطني، خلال اطّلاعه، على مشروع بحثي يوثّق الجذور التاريخية للخزام، ويرصد تطوّر استخداماته ودلالاته ، ويبرز مكانته في حياة إنسان هذه الأرض وارتباطه ببيئتها وهويتها، ومسيرة انتقاله عبر الأجيال، فسموه لا يتعامل مع التراث باعتباره ماضياً ينبغي الاحتفاظ به في خزائن الذاكرة، بل أصلاً حياً يمكن أن يواصل إنتاج المعنى في الحاضر، وأن يفتح أبواباً جديدة للمستقبل.
وكان صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد قد قال قبل عدة سنوات: «إن الموروث الثقافي والحضاري لدولة الإمارات يمثل رصيداً زاخراً للأجيال الحالية والقادمة ومصدر قوة يدعم طموحاتنا العريضة لمستقبل وطننا بما يمليه ذلك من ضرورة الاهتمام به وحفظه وتمكين المجتمع من الوصول إلى محتواه»، وهذه المقولة تشير بوضوح إلى الاهتمام الكبير الذي توليه القيادة الرشيدة للتراث الوطني .
هناك أشياء صغيرة في حياة الشعوب، كتفصيل ظل يتوارثه الناس حتى يصبح جزءاً من هويتهم. ومن هذه الأشياء الصغيرة يأتي «الخزام» ليكشف حكاية كبيرة عن الإمارات، حكاية الإنسان الذي عاش مع بيئته، وصنع من حاجته حرفة، ومن الحرفة عادة، ومن العادة رمزاً، ومن الرمز ذاكرة وطنية، فالخزام لم يولد رمزاً، ولد من الحياة عاشها الأجداد، ارتبط بقيادة الإبل والتنقل في الصحراء، وكان جزءاً من علاقة الإنسان بوسيلة عيشه وبيئته.
ومن هنا يأتي اهتمام الشيخ محمد بن راشد بالتراث باعتباره امتداداً لمشروع بناء الإنسان الإماراتي الواثق من جذوره والمنفتح على العالم. فالمستقبل لا يعني قطع الصلة بالماضي، والحداثة لا تعني محو الذاكرة. بل إن قوة الحاضر تزداد حين يعرف الإنسان من أين جاء، هذه هي الإمارات حين تنظر إلى تراثها؛ لا تراه خلفها، وإنما تراه أمامها وتنطلق منه إلى بناء الغد.