الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

التمويل بالهامش وصندوق الذكاء الاصطناعي

9 أغسطس 2026 21:06 مساء | آخر تحديث: 9 أغسطس 21:06 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
تطرقت في نيسان/إبريل الماضي، في مقال لي بعنوان «التمويل بالهامش.. المحرك الخفي لانهيارات الأسواق»، إلى المخاطر التي يمكن أن تنشأ عندما تتحول الرافعة المالية من أداة لزيادة العوائد إلى آلية لتضخيم الخسائر وتسريع انهيارات الأسواق.
وخلال تلك الفترة الأخيرة، شهدت أسواق المعادن، لا سيما الذهب والفضة، تصحيحات ملحوظة وتذبذبات حادة، ولم يقتصر هذا النمط على المعادن الثمينة، بل امتد إلى أصول استثمارية أخرى، مثل البيتكوين وغيرها من الأدوات المتداولة في الأسواق العالمية.
ومؤخراً، تعرض صندوق التحوط «Situational Awareness» لخسائر كبيرة نتيجة رهانات عالية الرافعة على أسهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ما اضطره إلى تصفية جزء كبير من مراكزه. ورغم أن هذه الحادثة لم تتحول إلى أزمة أوسع، فإنها تقدم مثالاً واضحاً على المخاطر التي يمكن أن تنتج عن اجتماع الرافعة المالية مع المراكز المركزة والتراجع السريع في الأسعار.
وفي تقديري، فإن أحد أبرز العوامل التي تسهم في تعميق الانهيارات أو تسريعها، بغض النظر عن طبيعة الأصل المالي، يتمثل في التمويل بالهامش.
فارتفاع مستويات المديونية في الأسواق يعني أن المستثمرين والصناديق أصبحوا أكثر حساسية لأي انخفاض مفاجئ في الأسعار. كما أن حجم الرافعة المالية الفعلية قد يكون أكبر مما تظهره أرقام ديون الهامش التقليدية، بسبب استخدامها عبر صناديق التحوط، والوسطاء الرئيسيين، وصناديق المؤشرات المتداولة، والمشتقات، واستراتيجيات المراجحة وغيرها.
ولا تكمن المشكلة في حجم المديونية وحده، بل في الخسائر التي يمكن أن تنتج عنها عندما تبدأ الأسعار في الانخفاض.
في ظاهر الأمر، يبدو التداول بالهامش أداة مالية متقدمة تتيح للمستثمر التحكم في مراكز أكبر من رأس ماله الفعلي. فإذا كان الهامش المطلوب 10%، يستطيع المستثمر نظرياً التحكم بمركز يعادل عشرة أضعاف رأس ماله. لكن هذه الآلية لا تضخم الأرباح فقط، بل تضخم الخسائر أيضاً، وقد تؤدي إلى انفصال الأسعار مؤقتاً عن الأساسيات، بحيث تصبح حركة السوق مدفوعة بالرافعة المالية وتدفقات الأموال أكثر من ارتباطها بالقيمة الحقيقية للأصل.
كما يمكن للرافعة المالية أن تخلق ما يمكن وصفه ب«السيولة الهشة»، وهي سيولة تبدو وفيرة طالما أن الأسعار ترتفع، لكنها تختفي سريعاً عندما يبدأ الاتجاه بالانعكاس.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية، فالتصحيحات في الأسواق أمر طبيعي، وقد تحدث نتيجة تغير أسعار الفائدة أو الأرباح أو التقييمات أو الظروف الاقتصادية والجيوسياسية. لكن التمويل بالهامش يمكن أن يحول التصحيح الطبيعي إلى انهيار سريع من خلال سلسلة متتابعة من الأحداث: انخفاض الأسعار يؤدي إلى خسائر في المراكز الممولة بالهامش، شركات الوساطة تصدر نداءات هامش للمستثمرين، المستثمرون غير القادرين على توفير السيولة يضطرون إلى البيع، البيع القسري يؤدي إلى مزيد من انخفاض الأسعار، انخفاض الأسعار يولد نداءات هامش جديدة، فتتكرر الدورة. وهكذا تتحول السوق إلى حلقة مفرغة من انخفاض الأسعار والبيع القسري.
وتزداد أهمية هذا الأمر مع تجربة صندوق «Situational Awareness»، ليس فقط بسبب خسائره، وإنما لأنه كان مرتبطاً بأحد أكثر القطاعات جذباً لرؤوس الأموال في السنوات الأخيرة، وهو الذكاء الاصطناعي.
فإذا تكررت مثل هذه الخسائر لدى صناديق ومستثمرين آخرين، فقد لا يقتصر الأثر على أسعار الأسهم، بل يمكن أن يمتد إلى شهية المستثمرين تجاه قطاع الذكاء الاصطناعي نفسه. وقد يدفع ذلك بعض المستثمرين إلى إعادة تقييم الأسعار والتوقعات المستقبلية، وبالتالي تباطؤ جزء من تدفقات رأس المال والزخم الاستثماري في هذا القطاع.
وهذا لا يعني بالطبع أن أزمة صندوق واحد يمكن أن تنهي قصة الذكاء الاصطناعي أو تلغي الأساس الاقتصادي للاستثمار فيه، لكن الأسواق تتحرك أيضاً وفقاً للثقة والتوقعات وتدفقات الأموال. وإذا بدأت هذه العناصر في التراجع بالتزامن مع ارتفاع الرافعة المالية، فقد نشهد إعادة تسعير أوسع لأسهم وشركات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
ومن هنا، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في ارتفاع المديونية، وإنما في تركيزها وتزامنها مع مراكز استثمارية متشابهة. فعندما يستخدم عدد كبير من المستثمرين الرافعة المالية للاستثمار في الأصول نفسها، فإن انخفاض الأسعار قد يدفع الجميع إلى البيع في الوقت نفسه، فتنتقل العدوى بين الأسواق حتى لو لم يكن هناك ارتباط اقتصادي مباشر بين تلك الأصول.
إن التاريخ المالي يثبت أن الرافعة المالية كانت عاملاً حاضراً في العديد من الفقاعات والانهيارات الكبرى. فهي تبدو صديقاً للمستثمر أثناء الصعود، لكنها قد تتحول إلى أخطر خصومه عند الهبوط. لذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل المستثمرين اليوم ليس فقط: هل أسعار الأصول مرتفعة؟
* مستشار في الأسواق المالية
والحوكمة والاستدامة

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة