الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

التهافت على الذهب نذير شؤم للدولار

9 أغسطس 2026 21:07 مساء | آخر تحديث: 9 أغسطس 21:08 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
قبل خمسة وخمسين عاماً، سعت البنوك المركزية العالمية، التي تزايد قلقها، إلى التخلص من الدولار الأمريكي لصالح الذهب في إشارة إلى سحب الثقة من السياسات الأمريكية. وقد تحققت مخاوفها بعد أن أنهى الرئيس ريتشارد نيكسون قابلية تحويل الدولار إلى ذهب بسعر ثابت قدره 35 دولاراً للأونصة في 15 أغسطس.
وكان لافتاً عام 2025 أن البنوك المركزية العالمية قد زادت حيازاتها من الذهب بشكل حاد وسط تزايد الحذر من السياسات الأمريكية. وبحلول نهاية العام الماضي، تجاوزت حيازاتها من السبائك الذهبية حيازاتها من سندات الخزانة الأمريكية، وفقاً لتقرير صادر عن البنك المركزي الأوروبي قبل أيام.
في كلتا الحالتين، عكست القرارات الصادرة من واشنطن والتي أثرت على سعر صرف الدولار عالمياً ضغوطاً متعلقة بالسياسة الأمريكية. ولا تزال السياسات الأمريكية تتردد أصداؤها في أسواق العملات حتى يومنا هذا، إلا أن عواقبها لا تحظى بالتقدير الكافي.
في عام 1971، جاء قرار فصل الدولار عن الذهب وسط اضطرابات داخلية هائلة، شملت معارضة حرب فيتنام التي بدت بلا نهاية، بالإضافة إلى تصاعد التوترات العرقية. ومع اقتراب حملة إعادة انتخاب الرئيس بعد أكثر من عام بقليل، كان اقتصاد البلاد يعاني تضخماً مستمراً وبطالة متفاقمة.
ويبدو أن التحول الأخير من سندات الحكومة الأمريكية إلى الذهب جاء كرد فعل على سياسات واشنطن التي كان لها تداعيات جيوسياسية في جميع أنحاء العالم. إضافةً إلى المخاوف المتزايدة بشأن عجز الميزانية الأمريكية -الذي بلغ نحو 6% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى يرتبط بالركود أو الحرب- فقد تضرر حلفاء الولايات المتحدة من الرسوم الجمركية وانهيار العلاقات مع أوروبا وأعضاء حلف الناتو الآخرين.
منذ الحرب الباردة، احتفظت دول أخرى باحتياطياتها من الدولار والسندات الأمريكية لأسباب أمنية في جزء كبير منها، ما يعكس مقايضة ضمنية لحماية أمريكا الدفاعية. ويبدو أن هذه العلاقة التكافلية متوترة الآن، في أحسن الأحوال.
وما يُغفل عنه في الغالب من تلك الفترة هو القيود التي فرضها نظام بريتون وودز على صانعي السياسات الاقتصادية، حيث كانت أسعار صرف العملات ثابتة نسبياً مقابل الدولار، الذي كان يُحوّل بدوره بالسعر الثابت المذكور سابقاً وهو 35 دولاراً للأونصة.
وقد أدى عجز الموازنة في أواخر الستينيات، نتيجة حرب فيتنام وبرامج الإنفاق المحلي «المجتمع العظيم»، إلى إجهاد ربط العملات بالذهب. واختارت دول أخرى، تزداد حذراً من هذه السياسات التضخمية، استبدال دولاراتها بالذهب. وقد اضطر ليندون جونسون إلى طلب فرض ضريبة دخل إضافية عام 1968 لأنه كان قلقاً من ردود الفعل السلبية المحتملة على الذهب والدولار جراء سياسات «الأسلحة والزبدة» الأمريكية.
أما نيكسون، الذي أرجع هزيمته في الانتخابات الرئاسية عام 1960 أمام جون إف. كينيدي إلى تباطؤ الاقتصاد، فقد كان يطمح إلى خفض معدل البطالة من 6% إلى ما يقارب 4%، وكبح جماح التضخم الذي كان يدور حول 5%.
أقرّ الديمقراطيون، الذين كانوا يسيطرون على مجلسي الكونغرس، قانون الاستقرار الاقتصادي لعام 1970، الذي منح الرئيس الجمهوري سلطة تثبيت الأسعار والإيجارات والأجور وأسعار الفائدة والأرباح. واعتقد الديمقراطيون أن نيكسون، بوصفه جمهورياً تقليدياً، لن يستخدم أبداً مثل هذه الصلاحيات الواسعة، غير المسبوقة في زمن السلم. ولو لم يتحرك نيكسون، لكان بإمكان الديمقراطيين تحميله مسؤولية الركود التضخمي الذي شهده الاقتصاد خلال حملة عام 1972.
منذ الحرب الباردة، وفرت الولايات المتحدة «مظلة نووية» لدول أخرى، ردّت هذه الدول بالمثل بالاحتفاظ بحصة غير متناسبة من احتياطياتها بالدولار وسندات الخزانة.
وليس من قبيل المصادفة أن تكون بولندا، التي تشترك في حدود مع روسيا وتولي أهمية كبيرة لعضويتها في حلف الناتو، من أكبر مشتري الذهب.
وأشار البنك المركزي الأوروبي في تقريره إلى أن المخاطر الجيوسياسية تُعدّ حافزاً رئيسياً لشراء البنوك المركزية للذهب. اشترت بولندا نحو 100 طن متري من الذهب العام الماضي، تلتها كازاخستان والبرازيل والصين وتركيا. وكان أكبر مشترٍ للذهب العام الماضي هو «تيثر»، مُصدر العملة الرقمية المستقرة، بأكثر من 100 طن. وهذا يُشير إلى أن هذا النوع من العملات الرقمية يُعدّ بديلاً محتملاً آخر للدولار الأمريكي في المعاملات الدولية.
وبشكل عام، شكّل الذهب 27% من احتياطيات البنوك المركزية في نهاية عام 2025، ارتفاعاً من 20% في العام السابق، وهو ما يعكس أيضاً ارتفاع سعر المعدن. أعلن البنك المركزي الأوروبي أن حصة سندات الخزانة الأمريكية من احتياطيات البنوك المركزية انخفضت إلى 22% العام الماضي، بعد أن كانت 25% في عام 2024.
ومع ذلك، يواصل المستثمرون العالميون التوافد على الولايات المتحدة، لا سيما لشراء الأسهم الأمريكية. ووفقاً لبيانات وزارة الخزانة الأمريكية الصادرة في إبريل، بلغت قيمة الأوراق المالية الطويلة الأجل التي يمتلكها المستثمرون الأجانب 33.7 تريليون دولار أمريكي حتى 30 يونيو 2025، مقارنةً ب 29.566 تريليون دولار أمريكي في العام السابق.
ويتجاوز هذا الأمر العوامل الاقتصادية والمالية البحتة التي تُركز عليها أسواق العملات عادةً.
* مساعد مدير التحرير في مجلة «بارونز»

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة