الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الإرهاب كشرٍّ عدمي

23 سبتمبر 2026 00:05 صباحًا | آخر تحديث: 23 سبتمبر 00:05 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
يمثل الشر سردية كونية طويلة، تمتد في قلب الوجود البشري، تكشف قصة الخلق عن أعمق أصولها، وهذا ما ندعوه بالشر الوجودي. وتجسّد صراعات الإنسان مع الإنسان أوسعَ جوانبها، ممثلة في الشر الأخلاقي، فيما يجسد الإرهاب أغبى تجلياتها ممثلاً لما يمكن وصفه بالشر العدمي.
الشر الوجودي هو ذلك الذي يستند إلى قوة علوية، على منوال ما عرفته الأساطير وأنساق الفكر الديني السابقة على الدين التوحيدي، حيث تتعدد الآلهة، ويلعب بعضها دور الضامن الوجودي للشر. ولعل أنضج تمثيلاته موجودة في الديانة الزرادشتية. ففي الأفستا، كتابها المقدس، يعلّم زرادشت النبي، الذي يحمل بعض سمات الألوهية، أتباعه أن ثمة إلهين أو مبدأين للخلق، الأول هو أهورا مزدا، يجسد الخير ويعكسه ويمثل ضمانة له. وأصل الكلمة مركب من لفظين أهورا وتعني الكبير، ومزدا تعني الحكيم والعاقل. إنه الموجود الأعظم، والأفضل، والأسمى، المضيء والطاهر في ذاته، الذي لا يوجد إلا في كل ما هو نقي. إنه رب الخليقة والحياة، الذي يرعى الفضيلة والاستقامة والخير، وفيه تتجسد العدالة والألفة والأخوة الإنسانية.
أما الإله الثاني، أهريمان، فيجسد الشر ويعكسه ويمثل ضمانة له. إنه إله الظلام، والشر، النجس في ذاته، الذي لا تصدر عنه سوى الأفعال السيئة، ولا يوجد إلا في كل ما هو قاتم، ومظلم، وفانٍ، ومريض.
نحن هنا أمام ديانة ثنوية، لم تستطع تبرير الشر إلا بنسبته لإله يضمن وجوده، بجعله منفصلاً عن إله الخير، ويبقيه في الوقت نفسه شريكاً له في الأزلية.
وقد تعين على الدين التوحيدي أن يواجه ويبرر الشر من دون أن يتورط في تلك الثنوية، حيث لعب الشيطان دور الضامن الوجودي للشر، منذ قام إبليس بغواية آدم للأكل من الشجرة المحرمة في الجنة، ثم آل على نفسه غواية كل بنيه على الأرض. هكذا، قدّم الدين التوحيدي تبريراً للشر لا يقع في أسر الثنوية، وإن ظل يستند إلى قوة فوق بشرية.
والنوع الثاني هو الشر الأخلاقي، أي ذلك الشر العرضي الذي يقع فيه الإنسان تحت ضغط الحياة اليومية، بارتكاب ما هو مكروه أو محرّم من أفعال تحت ضغط الغريزة أو الحاجة، كونه يعيش على الأرض، ويعاني الحفائر والفخاخ المنتشرة في أرجائها المتسعة، فينجح في توقّيها مرة ويسقط في براثنها مرات، قبل أن يعود ليتوب عنها أو يتسامى عليها، ملبياً حاجته الفطرية إلى الصفاء الروحي والسلام النفسي، قبل أن تهاجمه ضغوط الحس من جديد، فما يكاد يقلع عن خطأ حتى يقع في غيره أو فيه هو نفسه مرة أخرى بعد زمن طال أو قصر.. إنها مسيرة الإنسان، الذي خُلق في كبد، على درب الآلام الذي لا ينتهي، والتي يكتسب من خلالها إنسانيته رغم ضعفه، ما يجعل منه كائناً مركباً وفريداً بين المخلوقات، فهو الخطّاء والمريد، الصوفي والغريزي، الطيب والقاسي، القاتل والقتيل، المجاهد والكسول.. إلخ. هذا النوع من الشر يعكس الجوهر الخالص للدين التوحيدي، فالله مطلق والإنسان مكلف، يخضع أحياناً لشيطانه لكنه لا يتورّع عن مناجاة إلهه، الذي يقبل ضعفه على أنه نقص وشر، لكنه ليس شراً حتمياً لا يمكن البرء منه، بل مجرد شر أخلاقي، انحناء عرضي في حركة سيره على الأرض، يمكن تجاوزه بالاستقامة من جديد لينسجم ليس فقط مع الشرع الإلهي بمعناه الضيق ممثلاً في الشريعة الدينية، بل مع الشرع بالمعنى الواسع ممثلاً في الشريعة الكونية التي تعكس جماع القيم الفاضلة والمثل العليا التي عرفتها الحضارات العريقة وجسدتها الأمم المتمدينة عبر كل العصور، باعتبارها لبنات في صرح «الخير الكوني العام» الذي هو مقصود الله في الوجود، وجوهر عهد استخلافه للإنسان.
أما النوع الثالث فهو ذلك الشر العدمي، الذي يفضي أحياناً إلى وأد الأرواح أو تخريب العمران من دون مبررات عقلانية أو دوافع موضوعية، وأحياناً دون مصلحة جوهرية، وكأنه الثقب الأسود في الطبيعة الإنسانية، الذي يخرج من الإنسان أسوأ ما فيه. والمفارقة أن يتم ذلك باسم الجهاد الديني، وبدعوى التضحية في سبيل الله، فالمتطرف يزعم لنفسه الطهرانية الأخلاقية، والشخص الطهراني لابد وأن يسعى إلى محق الشر وبسط الخير مكانه، متوهماً قدرته المطلقة على ذلك، وتلك قدرة إلهية محضة، لا يمكن أن تُتاح لبشر، بل إن الله ذاته لم يُرد أن يستخدمها في جبر الإنسان على الطاعة والتسليم، وإلا فما ظل إنسان واحد قادر على الإلحاد فيه، ولكنه شاء أن يُبقى الإنسان حراً مختاراً، كي لا يُحرم من ذبذبة الروح البشرية وهي تهفو إليه رغم كل الحواجز التي تصدها عنه. ولذا يأمرنا الخالق أن ندعو إليه بالحكمة، وألا نسعى إلى حصار الشر حولنا قبل أن نقتلعه من داخلنا، ولكن المتطرفين يتوهمون السعي إلى اقتلاع الشر من حولهم، قبل أن يزعموا اقتلاعه من داخلهم، فيحيلون العالم دماً وناراً ودماراً.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة