الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

درويش.. 18 عاماً على الحضور

10 أغسطس 2026 00:05 صباحًا | آخر تحديث: 10 أغسطس 00:05 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
إذا كانت استعادة الرّاحلين في ذكرى غيابهم عن هذه الفانية نوعاً من الرثاء، فإن استعادة محمود درويش في الذكرى الثامنة عشرة لرحيله هي رثاء زمن فلسطيني بأكمله مؤثث بحَيَوات رجال ورموز وضمائر لن تعود إلى الحياة ولا الحياة قادرة على ولادة مثلهم.
استعادة محمود درويش تتجاوز رثاءه الشخصي إلى رثاء زمن فلسطيني ثقافي، بطولي، ومبدئي، زمن طويل له اسم واحد مركب من عشرات الأسماء: ناجي العلي، معين بسيسو، عبد اللطيف عقل، عز الدين المناصرة، محمد القيسي، غسان كنفاني، إدوارد سعيد، أحمد دحبور، زكريا محمد، علي الخليلي، سميح القاسم، توفيق زياد، جبرا إبراهيم جبرا، إحسان عباس، رشاد أبو شاور، محمد الظاهر، علي فودة، رسمي أبو علي، محمد إبراهيم لافي، محمد علي طه، جمال ناجي، إميل حبيبي، رزق أبو زينة، وغيرهم من شعراء وروائيين وكتّاب سابقين من رجال وإعلام وضمائر أدبية وثقافية كانت قد أسّست قبل سبعين عاماً لهذه الكوكبة الراحلة على درب البرتقال الحزين.
تذكّر درويش لا يُخْتزل في تذكر فرد أو مفرد شعري كان وحده مجموع شعر، ومجموع ذاكرة، ومجموع تاريخ، ولأنه رمز من المستحيل العبث بكينونته الحاضرة في الذاكرة العربية والفلسطينية فإنه، وبسرعة، يستدعي هذا الشعب من الكتّاب الذين طواهم الغياب.
فعلاً، مرحلة وانطوت، ومن المستحيل تكرارها لا على مستوى وزن وقيمة وثقل تلك الأسماء النجومية الكونية فقط، بل، وعلى مستوى مواقف تلك الأسماء، وصدقها، وتأثيرها الثقافي، والشعبي، والوجودي.
ولأعد إلى جوهر هذه الاستعادة المستحقة لصاحب «سجّل أنا عربي»، وليسمح لي القارئ العزيز، أن أسجل هنا بعضاً من الذاكرة التي تسمح قليلاً بما هو شخصي، ولكن في إطار ما هو عام، فقد قرأت إلى جانب محمود درويش وصديقي الشاعر زهير أبو شايب على منبر شعري واحد، وذلك، في عام 1995، في مؤسسة عبد الحميد شومان في جبل عمّان في العاصمة الأردنية، وشهدت تلك الأمسية الموثقة في أرشيف المؤسسة جمهوراً ضخماً هو بالطبع جمهور درويش وليس جمهوري أو جمهور زهير، غير أن المهم هو نبل درويش، وفرحه الداخلي يوم الأمسية بالقراءة إلى جانب شاعرين شابين (آنذاك).
قرأت يومها احتفاء درويش بنا خلال عينيه، قرأت تواضعه، وفروسيته، وكم عاش ورحل وهو كبير في اسمه، وفي روحه، وفي ذاته المثقفة، والإنسانية، والغنائية تماماً مثل شعره الحيّ إلى اليوم، وإلى كل الأيام التي تجعل غيابه يتحوّل إلى حضور يغطّي بالضرورة على فكرة رثاء الأزمنة، ورثاء الراحلين.
يقول المتنبي:
إذا ترحّلتَ عن قومٍ وقد قدروا
ألّا تفارقهم فالرّاحلون هُمُ
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة