الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

لماذا يقل الأصدقاء كلما كَبِرنا؟

11 أغسطس 2026 00:02 صباحًا | آخر تحديث: 11 أغسطس 00:02 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
في بداية الحياة، تنشأ الصداقات بشكل عفوي وبسيط، وكلما تقدم بنا العمر تتزايد المحاذير والاشتراطات والقيود. يمكن ملاحظة مثل هذا في الأطفال وهم يلعبون مع بعضهم البعض؛ حيث يندمجون بشكل عفوي، وتنشأ بينهم صداقة محدودة بوقت اللعب. حتى على مستوى المدرسة وفي السنوات الدراسية الأولى، نجد ملمحاً من هذا النوع من الصداقات وعفويتها وسهولتها؛ لأن الأطفال في تلك السن لم يتعلموا القيود، ولم يضعوا حسابات ولا شروطاً، وأيضاً لا توجد لديهم حساسيات من أي نوع، فقط العفوية.
الموضوع يزداد تعقيداً كلما تقدم بنا العمر، حيث نجد صعوبة في بناء الصداقة مع الآخرين؛ لأننا جميعاً محمَّلون بهالات من الشروط والمتطلبات التي لا تنتهي. يمكننا ملاحظة مثل هذه الصعوبة لمن تجاوز الثلاثين من العمر؛ حيث يلمس صعوبة في إيجاد أصدقاء جدد، ومع أن جهاز هاتفه محمَّل بالأسماء والأرقام، لكن قد لا يجد من بينها اسماً واحداً يمكنه الاتصال به. هذه الحالة تشبه تماماً الحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، التي تضم مئاتٍ من الأسماء، ومع هذا لا توجد دائرة من بينها فيها علاقة إنسانية حقيقية.
إنه سؤال بديهي: لماذا تصعب الصداقات مع التقدم في العمر؟ وأجد أن السبب ليس للجفاء ولا القسوة، بل يكمن في التحول الطبيعي الذي فرضته الحياة؛ فمع التقدم في العمر تتزايد المسؤوليات المهنية والأسرية والالتزامات الشخصية، وهذه وغيرها تستهلك المخزون الأهم من الطاقة اليومية، وبالتالي لم يعد لدى الفرد المتسع لمنح جلسات طويلة مع الصحب.
والجانب الآخر أننا عندما نتقدم في العمر، تكون خبراتنا وتجاربنا المتعددة والمتنوعة وهويتنا وقيمنا مكتملة وناضجة، وهي تجعلنا أكثر حذراً في إدخال وجوه جديدة إلى دوائرنا. وكما هو معروف، فإن الصداقة تُبنى على قواعد منها: المجاورة، واللقاءات المكررة غير المخطط لها، والمساحات التي تسمح بتبادل الهموم، وبعد التقدم في العمر تختفي هذه القواعد؛ فلا بيئات تلقائية، واللقاءات تصبح أكثر رسمية وحذراً.
بعضُ الصداقاتِ التي تتم في سن متقدمة تتعثر مع أولى خطواتها؛ حيث تكون التوقعات كبيرة، ويحدث اصطدام باعتذار متكرر أو انشغال من الصديق الجديد، وعندها نقرر الانسحاب. أجد أن قلة الأصدقاء مع التقدم في العمر ليست دليلاً على الفشل الاجتماعي، أو عدم التواصل الجيد مع الآخرين، لكنها نتيجة طبيعية لظروف الحياة، وهي ظروف تسهم دون أن نعلم في فرز الأصدقاء الأكثر توهجاً وقيمة ومعنى.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة