الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

ظهيرة ناجي العلي

11 أغسطس 2026 00:01 صباحًا | آخر تحديث: 11 أغسطس 00:01 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
وضع ناجي العلي 40 ألف رسمة كاريكاتير في حياته من 1937 إلى اغتياله في لندن في ظهيرة أحد أيام أغسطس/آب 1987، ولو فرضنا حسابياً أنه بدأ يرسم وهو في العشرين من عمره، فمعنى ذلك أنه كان ينجز 1000 رسمة في العام الواحد، رسم في جريدتنا «الخليج»، وزار الإمارات، وأحب قلبها الوطني والثقافي والمستقبلي، ورأى الخليج من الشارقة، كما رآه من الكويت، حيث عمل في صحافتها إلى جانب شعراء ومثقفين ووطنيين.
سرّ ناجي العلي ليس في كثرة وغزارة ما رسم، بل، في الكيفية الثقافية والجمالية والفكرية التي كان يرسم بها، وهي كيفية شديدة الخصوصية تعود له وحده، فلم يرسم أحد من فنّاني الكاريكاتير مثله، لا قبله ولا بعده، لأن أحداً من هؤلاء إذا اقترب منه تقليداً أو محاكاة أو استنساخاً، فإنه ينكشف فوراً ذلك الانكشاف المحرج الذي لا يليق بأي فنان، رسام كاريكاتير.
حوّل ناجي العلي فن الكاريكاتير إلى خطاب سياسي، واجتماعي وثقافي ونقدي يومي في سبعينات وثمانينات القرن العشرين، ودائماً بكلمات قليلة، وأحياناً، بل كثيراً، ما كانت لوحته بلا كلمات وبلا أي تعليق لغوي، ومثلاً، كان بوسعك أن ترى رسمة لناجي العلي تمثل وجه امرأة سقطت من عينها دمعة، لتعرف أنه رسم (عين الحلوة) ضمن دلالتين متوازيتين:.. عين الحلوة المخيم، وعين الحلوة المرأة الحقيقية الباكية..
النقطة الثانية في حياة هذا الفنان الفلّاح، الشعبي تماماً، والشجاع دائماً، والجريء بلا انقطاع، أنه قاوم الموت وهو في حالة الغيبوبة التي استمرت نحو ثلاثة أسابيع، منذ أن أطلق عليه النار أحد القتلة المأجورين في أحد شوارع لندن ظهيرة يوم 22 يوليو/تموز 1987، إلى أن فارق الحياة في 29 أغسطس/آب 1987، وتستطيع القول إنه في حالته تلك إنما قاوم الموت وهو ميّت أو شبه ميّت، وقبل ذلك، وفي التوصيف البطولي ذاته، إنما قاوم ناجي العلي الموت وهو حيّ.. قاومه بعدم الاكتراث الكلّي لمن كان يهدّده بالقتل أو التصفية البدنية إذا استمر في نشر رسومات كاريكاتيرية تمثّل صور المسوخ، والمترهّلين، والمنبطحين، والانتهازيين، وتجار السياسة، والكذّابين، والشبعانين من لحم (القضية) والمُتخمين بالفساد والريبة والشكوك.
كل هؤلاء وضعهم ناجي العلي في زريبة واحدة، وأخذ يجلدهم بسوطه الذي هو قلمه الرصاصيّ الذي كان يرسم به، نعم، جمعهم كالماعز في صندوق ضيق، ومنع عنهم الهواء، وجعلهم أضحوكة كاريكاتيرية يومية، وأحرجهم أمام زوجاتهم ومراياهم، وفكّك عظامهم الزّرق، وكان يوبّخهم هو وابنه الصغير الفقير حنظلة.
لذلك كلّه.. قتلوه في وضح النهار، في ظهيرة لندنية، حيث كانت هناك حساباتهم الجارية.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة