كانت فترة السبعينات في القرن العشرين مرحلة زمنية ثقافية للأغنية العربية، وتحديداً الأغنية المصرية، وكانت السبعينات أيضاً مرحلة شمّ النسيم في القاهرة، ومن أجمل ما كان في ذلك النسيم حفلات عبدالحليم حافظ، وفريد الأطرش، تلك الحفلات التي كانت تاريخاً بصرياً جمالياً لموسيقى أغنيات النسيم التي كانت تقوم على تقليد فني محترم يتمثل في وضع مقدّمات موسيقية لتلك الأغنيات الرائدة في تاريخ الغناء العربي المصري، وقد انتهت اليوم ظاهرة المقدّمة الموسيقية للأغنية العربية، لأنه، وببساطة لا يوجد اليوم عبدالحليم ولا فريد الأطرش.
عدت إلى ذلك الزمن الغنائي المفقود، تماماً، مثل الأندلس المفقودة، لأستمع، بالأبيض والأسود إلى أغنيتين من ذلك الوقت النسيمي في القاهرة وهما باللغة العربية الفصحى، الأولى.. قصيدة (عش أنت) لبشارة الخوري (الأخطل الصغير)، ولحنّها ووضع مقدّمتها الموسيقية، وغنّاها فريد الأطرش في العام ١٩٧٢ في شم النسيم في القاهرة، وسوف تستمر المقدمة إلى حوالي ربع ساعة وبعزف فريد الذي تقدم الفرقة الموسيقية على العود وبعد ذلك تبدأ الأغنية (القصيدة) ومطلعها:
«عش أنت إني متُّ بعدك
وأطل إلى ما شئت صدّك
ما كان ضرّك لو عدلت
أما رأت عيناك قدّك
وجعلت من جفنيَّ متكأً
ومن عينيَّ مهدك
ورفعت بي عرش الهوى
ورفعت فوق العرش بندك
وأعدت للشعراء سيدهم
وللعشاق عبدك»
عبدالحليم حافظ: غنّى قصيدة نزار قباني (رسالة من تحت الماء) في شم النسيم على مسرح نادي الترسانة في القاهرة عام ١٩٧٦، وقام بتلحين القصيدة محمد الموجي، أما الفرقة الموسيقية فقد قادها عبدالحليم، وكانت المقدمة الموسيقية أجمل ما في الأغنية، وقاد المقدّمة عبدالحليم بإشارات يديه، ولم يعزف مثلما عزف فريد الأطرش، وبدأت الأغنية بمطلع القصيدة المعروف:
«إن كنت حبيبي ساعدني كي أرحل عنك
أو كنت طبيبي ساعدني كي أشفى منك
لو أني أعرف أن الحب خطير جداً ما أحببت
لو أني أعرف أن البحر عميق جداً ما أبحرت
لو أني أعرف خاتمتي ما كنت بدأت..».
طغت المقدّمتان الموسيقيتان على مجمل الأغنيتين، لكن المهم هنا هو الفرق البائن بينونة كبرى بين القصيدتين، قصيدة بشارة الخوري، وقصيدة نزار قباني، قصيدة الخوري أقوى وأعمق وأكثر حرارة عاطفية من قصيدة قباني. الأولى عن تجربة ومعايشة وروح، والثانية عن بساطة، وسذاجة، وإنشاء عاطفي سطحي، أما البطولتان في القصيدتين فهما للمقدّمتين الموسيقيتين، ففيهما النسيم كلّه.
