مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في الولايات المتحدة التي تجري في شهر نوفمبر القادم تتركز الأضواء على الانتخابات التمهيدية لاختيار الحزبين الرئيسيين مرشحيهم لمجلسي النواب والشيوخ. وتحظى بعض تمهيديات الحزب الديمقراطي بجدل إعلامي ربما أكثر من تمهيديات الحزب الجمهوري.
مع أن تلك في النهاية «انتخابات تكميلية»، أي لن تغير كل النواب والشيوخ، إلا أنها أحياناً تعني تغيير الأغلبية في المجلسين ما بين الجمهوريين والديمقراطيين. والأغلبية حالياً جمهورية، ما يسهل حكم إدارة الرئيس الجمهوري دونالد ترامب. أما إذا حقق الديمقراطيون أغلبية في المجلسين أو أحدهما، فربما يكون بمقدورهم تعطيل بعض سياسات الإدارة في البيت الأبيض.
رغم أن تلك الانتخابات تخص الأمريكيين وتتعلق بالمصالح المباشرة للناخبين في الدوائر التي ستجري فيها، إلا أن تأثيرها يهمّ بقية العالم مثل أي شيء يجري في أمريكا. إنما في النهاية سيصوت الناخب الأمريكي على أساس ما يرى أنه في مصلحة تحسين أحواله المعيشية، غير عابئ بالشعارات الكبرى ولا قضايا السياسة الخارجية.
حتى الحروب التي تخوضها واشنطن، تجارية أو عسكرية، لا تهمّ المواطن إلا بقدر ما تؤثر في دخله وضرائبه وأسعار احتياجاته من السلع والخدمات. ولم يعد الناس العاديون، في أمريكا كما في غيرها من البلدان حول العالم، يبلعون الشعارات الجوفاء والوعود الانتخابية التي لا تتحقق بل تطلق فقط في مواسم الانتخابات لكسب الأصوات.
بالنسبة للجمهوريين، ما زال ترامب شخصية محورية ويفوز أغلب من يؤيدهم بالانتخابات التمهيدية. حتى وإن كان التيار المركزي للحزب غير متوافق مع توجهات ترامب وأنصاره إلا أن المصلحة الانتخابية تقتضي مسايرة التوجّه الحالي كي لا يخسروا أمام الديمقراطيين.
المشكلة الأكبر هي أزمة الديمقراطيين على رغم ما يبدو من صعود تيار تقدمي داخل الحزب في بعض الدوائر يتمكن من كسب أصوات الناخبين. لم تبدأ أزمة الديمقراطيين مع فترة حكم الرئيس السابق جو بايدن، لكنها بدأت قبل سنوات. والحقيقة أنها كانت جزءاً من تدهور السياسة بشكل عام. لكن ظهور ترامب بشعاراته الشعبوية والدوغمائية أحياناً بث قدراً من الحيوية بين الجمهوريين – بغض النظر عن وجهة نظرنا في هذا التوجه.
أما الديمقراطيون فتعمقت أزمتهم في فترة رئاسة باراك أوباما، التي يرى كثيرون إيجابياتها من نواحٍ مختلفة. كانت فترة أوباما أشبه بما يمكن تسميته «حلاوة الروح» للديمقراطيين. فالتيار المركزي بالحزب فقد صلته بالواقع سريع التغير، ليس فقط بسبب كبر سنّ رموزه، ولكن لأن تواصله مع المتغيرات في أمريكا والعالم ضعف بشدة. وأصبحت قناعات مؤسسة الحزب وبالتالي إبداعها من ناحية السياسات العامة وكأنها «عفا عليها الزمن».
حتى بروز بعض العناصر «التقدمية» لم يُفد كثيراً في تغيير وضع الديمقراطيين ولا تجاوز أزمتهم. وبدا في السنوات الأخيرة أن تلك الحالات ما هي إلا رد فعل على صعود اليمين الشعبوي الكاسح أكثر منها تعبيراً عن تغير حقيقي في الحزب الديمقراطي. أي أنها ليست توجهاً طاغياً مثل ذلك الذي قاده ترامب بين الجمهوريين.
على عكس أغلب التوقعات التي ترى أن الديمقراطيين يمكن أن يفوزوا بما يجعلهم أغلبية على الأقل في مجلس النواب، إن لم يكن في الشيوخ أيضاً، أتصور أن الجمهوريين أفضل وضعاً في انتخابات نوفمبر القادمة وربما يحافظون على أغلبيتهم في الكونغرس. فأداء الديمقراطيين لم يتحسن ومشاكل الحزب الداخلية لم تتغير بل تزيد عمقاً.
كما أن الجماهير لم تعد تراهن على شعارات ووعود يصعب تحقيقها. وما زال قطاع واسع من الأمريكيين لديه الأمل في «الحلم الأمريكي» الذي يعني أن أي شخص يمكن أن يصبح مليونيراً. وبالتالي يسهل تخويف هؤلاء بالزعم بأن التيار الصاعد بين الديمقراطيين اشتراكي أو «شيوعي». ومع أن تلك افتراءات، إلا أن الشعور الشعبي العام يسهل السيطرة عليه بالتخويف أكثر من الوعود بالانجاز.
أياً كانت نتيجة الانتخابات، فإن الإدارة الحالية تمضي في طريقها بغض النظر عن تركيبة السلطة التشريعية، والرئيس ترامب يحكم بالأوامر التنفيذية التي لا تحتاج موافقة الكونغرس.
