الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

معرض أبوظبي الدولي للكتاب.. بيئة معرفية مستدامة

26 سبتمبر 2026 00:03 صباحًا | آخر تحديث: 26 سبتمبر 00:03 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
يمثّل معرض أبوظبي الدولي للكتاب أحد أبرز المنصّات الثقافية في المنطقة، وقد أصبح في دورته الأخيرة نموذجاً متقدّماً لتأثير القوة الناعمة الإماراتية، بعدما تجاوز دوره التقليدي بوصفه حدثاً ثقافياً سنوياً إلى فضاء معرفي شامل يعيد تشكيل علاقة المجتمع بالوعي والبحث والإنتاج الفكري. فالبيئة التي يوفّرها المعرض اليوم تجمع بين النشر، والمؤسسات البحثية، والمراكز الفكرية، والبرامج الأكاديمية، في مشهد يعكس نضج التجربة الثقافية الإماراتية وقدرتها على صياغة نموذج عربي متقدّم في صناعة المعرفة.
وخلال مشاركتي وتجوالي في أركان المعرض المختلفة، بدا واضحاً أن تأثيره يتجاوز حدود الكتب المعروضة إلى ما هو أعمق: بناء بيئة معرفية مستدامة تُسهم فيها مؤسسات بحثية رائدة تقدّم محتوى علمياً وفكرياً يعزّز الوعي العام. وقد لفت انتباهي ثلاثة نماذج إماراتية تشكّل اليوم ركائز مهمة في هذا التحوّل: مفكرو الإمارات، تريندز، ومركز باحثي الإمارات إلى جانب مؤسسات ومراكز محلية وعالمية أخرى.
في جناح «مفكرو الإمارات»، برزت رؤية جديدة لدمج المعارف وتبسيطها عبر منصة إلكترونية موحّدة تجمع بين التحليل الجيوسياسي والدراسات الفكرية والمحتوى المعرفي الموجّه للجمهور العام. وقد عرض المركز خلال المعرض آليات عمل منصته التي تعتمد على تبسيط المفاهيم المعقدة وربطها بالسياقات العالمية، مستنداً إلى اتجاهات بحثية دولية تشير إلى أن المنطقة العربية تواجه ارتفاعاً في درجات الحرارة بمعدل يفوق المتوسط العالمي، حيث ارتفعت درجات الحرارة بنحو 1.5 درجة مئوية خلال العقود الثلاثة الماضية وفق تقارير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية. وقد قدّم «مفكرو الإمارات» خلال المعرض نموذجاً تفاعلياً لدمج هذه البيانات المناخية والجيوسياسية في محتوى معرفي مبسّط، عبر خرائط معرفية تتيح للزائر تتبّع التحولات الدولية وربطها بالسياق المحلي، وهو ما يعكس تطوراً نوعياً في أدوات القوة الناعمة الإماراتية، ويؤكد قدرة المنصة على تحويل المعرفة المعقدة إلى محتوى قابل للتداول والفهم العام.
أما جناح تريندز للبحوث والاستشارات فقد قدّم قراءة معمّقة للوعي المناخي في المنطقة العربية، مستنداً إلى نتائج استطلاع رأي إقليمي أظهر أن 62.5% من العرب يعتبرون تغيّر المناخ مصدراً رئيسياً للتهديد، وأن 77.7% يشعرون بقلق واضح تجاه الظواهر المناخية المتطرفة، فيما عبّر 42.1% عن قلق شديد من آثار تغيّر المناخ على حياتهم اليومية، وذلك وفق بيانات «الباروميتر العربي». وتُظهر تقارير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن المنطقة العربية تُعدّ من أكثر مناطق العالم تأثراً بالمناخ، إذ شهد عام 2024 موجات حرّ غير مسبوقة، وارتفاعاً في درجات الحرارة بمعدل ضعف المتوسط العالمي، مع تسجيل أحداث مناخية حادة تسببت في أكثر من 300 حالة وفاة في المنطقة خلال عام واحد. كما تشير تقارير البنك الدولي إلى أن تغيّر المناخ يهدّد الموارد المائية في المنطقة، حيث تقع 15 من أكثر 20 دولة تعاني شحّ المياه عالمياً في العالم العربي. وقد عرض تريندز نماذج تفاعلية توضّح تأثيرات المناخ على الأمن الغذائي، مستنداً إلى تقارير دولية تشير إلى أن المنطقة تخسر سنوياً ما يقارب ملياري دولار نتيجة تدهور الأراضي وارتفاع درجات الحرارة، وهو ما يعكس أهمية دمج المعرفة البيئية في الفضاء الثقافي العام.
وفي جناح مركز باحثي الإمارات، برزت مبادرات التثقيف البحثي والمجلات المحكمة التي يعرضها المركز، إلى جانب مشروعه النوعي لتعريب الأبحاث العلمية. فقد عرض المركز خلال المعرض مجموعة من المقالات العربية المحكمة التي تُعدّ جزءاً من مشروعه لتسهيل وصول المعرفة العلمية إلى الجمهور العربي، وهو ما ينسجم مع الاتجاهات البحثية الإقليمية التي تؤكد أن المنطقة تواجه تحديات مناخية واقتصادية متزايدة. وتشير تقارير صندوق النقد الدولي إلى أن الكوارث المناخية في الشرق الأوسط تسببت في مقتل أكثر من 2600 شخص سنوياً، وأثّرت على سبعة ملايين شخص، وأحدثت خسائر مادية مباشرة تتجاوز ملياري دولار سنوياً خلال العقدين الماضيين. وقد شكّل هذا الجناح نقطة جذب مهمة للباحثين والطلاب، إذ يقدّم نموذجاً إماراتياً متقدّماً في تعزيز ثقافة البحث العلمي وربط الأجيال الجديدة بمناهج التفكير النقدي والتحليل الأكاديمي، عبر برامج تدريبية وورش عمل متخصصة.
إن اجتماع هذه النماذج الثلاثة تحت مظلة معرض أبوظبي الدولي للكتاب يقدّم قيمة مضافة واضحة: بناء منظومة معرفية شاملة تتكامل فيها الرؤى الفكرية والدراسات العلمية والتحليلات الجيوسياسية، بما يعزّز استدامة البيئة الثقافية في الدولة. فالمعرض لم يعد مجرد مساحة لاقتناء الكتب، بل أصبح فضاءً تُصنع فيه المعرفة، وتُناقش فيه السياسات، وتُبنى عبره جسور بين المؤسسات البحثية والجمهور العام، في نموذج يعكس قوة الإمارات الناعمة وقدرتها على صياغة مستقبل ثقافي عربي متقدّم.
لقد أصبح معرض أبوظبي الدولي للكتاب اليوم أكثر من حدث ثقافي، إنه مشروع وطني مستدام يعيد تشكيل الوعي، ويعزّز حضور الإمارات في المشهد المعرفي العالمي، ويؤكد أن الثقافة ليست احتفالاً سنوياً، بل منظومة تُبنى عبر مؤسسات راسخة ورؤية وطنية واضحة.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة