الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الصدق يبدأ من هنا

12 أغسطس 2026 00:02 صباحًا | آخر تحديث: 12 أغسطس 00:02 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
يعرف الإنسان أحياناً حقيقة موقفه من أمر ما، لكنه يقول لنفسه غير ذلك. يدرك أنه غير راضٍ عن مسار اختاره، فيقنع نفسه أنه مساره الصحيح. أو يعلم في داخله أنه مقصر في أمر، فيبحث عن أسباب خارجية يعلق عليها تقصيره. هذه المسافة بين ما يعرفه الإنسان عن نفسه وما يقوله لنفسه، هي ما يُقصد به الصدق مع الذات.
في مسرحية «هاملت» للكاتب والشاعر الإنجليزي ويليام شكسبير، الذي عاش في القرن السادس عشر، يودع الأب ابنه المسافر بجملة من النصائح، ويختمها بقوله: «وفوق هذا كله: كن صادقاً مع نفسك، فيرافق ذلك، كما يترافق مع النهار الليلُ، أنك لن تستطيع بعدها أن تكذب على أحد». والطريف أن شكسبير وضع هذه العبارة على لسان شخصية «بولونيوس» الكثيرة الكلام، التي توزع الحكم ثم تخالفها في أفعالها، فبدت النصيحة في سياق المسرحية أقرب إلى السخرية منها إلى الوعظ. لكن المعنى في ذاته بقي أشهر ما يُستشهد به من المسرحية، ولعل في هذا التناقض ذاته درساً؛ إذ ما أسهل أن يردد المرء الحكمة، ولكن المعنى الحقيقي هو أن يمارسها.
وما يجعل الصدق مع النفس صعباً هو أن الإنسان يحتاج فيه إلى مواجهة ما لا يسره؛ أن يعترف بأنه اختار طريقاً لإرضاء غيره لا لقناعته، أو أن الحسد هو ما يحرك انزعاجه من نجاح أحدهم، أو أن انشغاله المتواصل وسيلة يهرب بها من قرار يؤجله. هذه الاعترافات مؤلمة وغير مريحة، ولهذا يفضل البعض أن يبقيها بعيدة عن تفكيره. لكن تجنبها لا يمحوها من الوجود. فمن يخفي عن نفسه سبب ضيقه، يظل يؤجل المشكلة، ولكنه لا يحلها؛ فيغير عمله وقد تكون الحاجة إلى تغيير طريقــة تفكيره، أو يزيد من انشغاله وقد يكون ما يحتاج إليه هو أن يتوقف ويراجع. وبقاء الخلل دون مواجهته يجعل علاجه غير ممكن؛ فلا يمكننا أن نصلح ما لا نعترف بوجوده.
ليس المطلوب أن يقسو الإنسان على نفسه، ولا أن يفتش في داخله عن عيب في كل حين. المطلوب أبسط من ذلك بكثير؛ أن يتوقف أحياناً، ويسأل نفسه سؤالاً واحداً بلا مجاملة للنفس، وأن يتحمل الإجابة أياً كانت. فالمسافة بين ما نعرفه عن أنفسنا وما نقوله لأنفسنا هي المسافة التي تحدد كم نحن قادرون على التغير.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة