الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الشباب بين رمزية الاحتفاء وضخامة التحديات

13 أغسطس 2026 00:01 صباحًا | آخر تحديث: 13 أغسطس 00:01 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
تحتفل الأمم المتحدة في الثاني عشر من أغسطس من كل عام، باليوم العالمي للشباب، وهو تاريخ اعتمدته منذ عام 1999 ليكون مناسبة دولية تُسلّط الضوء على قضايا الشباب وتحدياتهم. وعلى الرغم من هذا التحديد الأممي، فإن العديد من الدول اختارت تواريخ مختلفة للاحتفاء بالشباب، بعضها يرتبط بمناسبات وطنية، وبعضها بفعاليات تعليمية أو اجتماعية، ما أدى إلى تباين عالمي في طريقة الاحتفال. هذا الاختلاف يعكس غياب رؤية موحدة حول دور الشباب في المستقبل، ويؤكد أن الاحتفاء الرمزي لا يكفي في عالم تتسارع فيه الأزمات الاقتصادية، والتعليمية، والمناخية، والتكنولوجية.
ومع هذا التباين، يبقى السؤال الجوهري: ماذا قدمنا للشباب فعلياً؟ وهل يكفي يوم عالمي، أو منتدى سنوي في عالم يعيد تشكيل نفسه بسرعة غير مسبوقة، بينما يقف الشباب في قلب هذه التحولات من دون أن يكون لهم دور حقيقي في صياغة مستقبلهم؟
إن التحولات البنيوية في الاقتصاد العالمي، وغياب سياسات واضحة للانتقال نحو اقتصاد مستدام قادر على خلق وظائف جديدة، تجعل الشباب أمام خيارات محدودة، وتدفع كثيرين منهم نحو الهجرة، أو البطالة، أو العمل الهشّ. وفي ظل هذا الواقع، يصبح الحديث عن تمكين الشباب مجرّد شعار ما لم يُترجم إلى سياسات تستوعب التحول الرقمي، وتدعم الابتكار، وتعيد هيكلة أسواق العمل.
أما التعليم، فهو يعاني فجوة واسعة بين مخرجاته ومتطلبات العصر. فالمناهج الجامدة، وضعف البنية الرقمية، وغياب التكامل بين التعليم والاقتصاد المستدام، كلها عوامل تجعل ملايين الشباب غير قادرين على المنافسة في عالم تقوده التكنولوجيا والمهارات المتقدمة.
لكن التحدّي الأكبر الذي يهدّد مستقبل الشباب هو تغيّر المناخ، وتدهور البيئة. فارتفاع درجات الحرارة، وتزايد الكوارث الطبيعية، وتدهور النظم البيئية، كلها عوامل تعيد تشكيل الحياة البشرية على مستوى الغذاء والصحة والسكن والاستقرار الاجتماعي. وقد شهد العالم أمثلة صارخة على ذلك؛ ففيضانات باكستان عام 2022 أثرت في 33 مليون شخص، ودمرت آلاف المدارس والمزارع، والجفاف في القرن الإفريقي يهدّد حياة أكثر من 20 مليون شاب يعتمدون على الزراعة والرعي، بينما أصبحت حرائق جنوب أوروبا موسمية، وتقلل فرص العمل للشباب في قطاعات حيوية.
وفي الوقت نفسه، يفتح التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي أبوابا واسعة أمام الشباب، لكنه يهدد أيضا ملايين الوظائف التقليدية. وتشير تقارير علمية إلى أن ربع الوظائف في الولايات المتحدة معرّضة للاستبدال بالذكاء الاصطناعي خلال العقد القادم. كما أن سيطرة الشركات الكبرى على البيانات، وانتشار المعلومات المضللة، يخلقان بيئة اجتماعية وسياسية معقدة، يصعب على الشباب التنقل فيها من دون مهارات رقمية متقدمة. إن التكنولوجيا ليست خطراً بذاتها، لكنها تصبح كذلك حين تغيب السياسات التي تضمن استخدامها لمصلحة الأجيال القادمة.
وعلى الرغم من قتامة هذا المشهد العالمي، تظهر بارقة أمل في عدد من الدول التي انتقلت من الاحتفاء الرمزي بالشباب إلى الاستثمار الحقيقي في قدراتهم. وتبرز الإمارات كنموذج لافت في هذا السياق، من خلال سياسات عملية ومؤسسات فاعلة، كما تبرز الشارقة بمبادرة ربع قرن لصناعة القادة التي تُعد واحدة من أكثر المشاريع العربية طموحاً في بناء الإنسان على مدى طويل. فالمبادرة لا تتعامل مع الشباب بوصفهم فئة تحتاج إلى دعم مؤقت، بل بوصفهم مشروعاً قيادياً يمتد لخمسة وعشرين عاماً، تُبنى خلاله المهارات، وتُصقل القدرات، ويُعاد تشكيل علاقة الشباب بالمجتمع والدولة عبر برامج متكاملة في القيادة، والابتكار، والعمل المجتمعي. إن هذا النموذج يعكس رؤية استراتيجية ترى أن صناعة المستقبل تبدأ من صناعة الإنسان، وأن الاستثمار في الشباب ليس مبادرة قصيرة، بل مسار ممتد يخلق جيلاً قادراً على قيادة التحولات، الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، التي يواجهها العالم اليوم.
كما أن الإمارات قدمت نموذجاً عالمياً في إشراك الشباب ضمن العمل البيئي، عبر برامج تدريب وتمويل مشاريع، وتمكينهم من المشاركة في المفاوضات الدولية. ويبرز برنامج شباب الإمارات للمناخ كأحد النماذج الرائدة، إذ أتاح للشباب المشاركة في مؤتمرات المناخ العالمية، بما في ذلك مؤتمر الأطراف COP28، ليكونوا جزءاً من النقاش الدولي حول مستقبل الكوكب. كما يقود شباب إماراتيون مبادرات في مجالات مثل الزراعة الذكية، وإدارة المياه، والابتكار البيئي، ما يجعلهم جزءاً من التحول نحو اقتصاد مستدام.
إن هذه النماذج لا تمثل احتفاء بالشباب، بل استثماراً فيهم، وتؤكد أن المستقبل يمكن أن يكون أكثر إشراقاً حين تُمنح الأجيال القادمة الأدوات والمساحات التي تستحقها.
اليوم العالمي للشباب يجب أن يكون محطة مراجعة لا احتفالاً عابراً. فمستقبل الأجيال القادمة يتشكل اليوم، في ظل عالم يواجه أزمات اقتصادية، تعليمية، بيئية، ومناخية غير مسبوقة. وإذا لم تتحول السياسات العالمية من الاحتفاء بالشباب إلى الاستثمار الحقيقي فيهم، فإن المخاطر القادمة ستتجاوز قدرة المجتمعات على التكيف. ومع ذلك، فإن التجارب الإيجابيةـ ومنها التجربة الإماراتية وتجربة الشارقة في صناعة القادة ـ تثبت أن المستقبل لا يُصنع بالاحتفال، بل بالسياسات، وبالتمكين، وبإشراك الشباب في مواجهة التحديات الكبرى، وعلى رأسها المناخ والبيئة.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة