التحذيرات التي أطلقها منسق الأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط، رامز الأكبروف، من على منبر مجلس الأمن، حول خطورة تدهور الأوضاع في الضفة الغربية المحتلة، لم تكن مفاجئة، إذ سبقها تحذيرات أممية ودولية كثيرة، لكنها سرعان ما تبخرت بفعل التجاهل الإسرائيلي، وعدم المساءلة، والحماية الممنوحة لها.
يقول الأكبروف في إحاطته لمجلس الأمن، إن الأوضاع في الضفة الغربية المحتلة بلغت «منعطفاً خطراً» في ظل تصاعد عنف المستوطنين، وعمليات التهجير والهدم، بالتزامن مع تسارع النشاط الاستيطاني الإسرائيلي، مشيراً إلى أن التدهور جاء نتيجة «عقود من الصراع غير المحسوم». ويوضح بالأرقام ما فعلته السياسة الإسرائيلية الممنهجة في الضفة الغربية منذ يناير 2023، أي حتى قبل هجوم 7 أكتوبر في ذلك العام، لافتاً إلى أن الصراع أدى إلى تعميق الاحتلال الإسرائيلي ودفع السلطة الفلسطينية إلى «حافة الانهيار، وقوّض فرص إقامة دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة وذات سيادة». ويخلص، في النهاية، إلى أن الواقع على الأرض يتغيّر على نحو خطر، وأن عنف المستوطنين بلغ مستويات غير مسبوقة.
ليس الأكبروف وحده من أطلق مثل هذه التحذيرات، فقد سبقه مسؤولون أمميّون كثر، وكذلك مؤسسات ومنظمات، أممية ودولية، أخرى معنية بحقوق الانسان، علاوة على التحذيرات الأوروبية الخجولة التي تصدر بين الحين والآخر، والتي يمكن وضعها في سياق تبرئة الذمة، أكثر مما تعبّر عن مواقف جادة وصلبة استناداً إلى القيم الأوروبية، وتبنّي معظم دول القارة حل الدولتين.
يتقاطع ما قاله الأكبروف، مع تقرير لحركة «السلام الآن» المناهضة للاستيطان، قبل يومين، يشير إلى أن حكومة نتنياهو تنفذ مخطط الضم فعلياً، وتلغي اتفاقيات أوسلو، من دون الحاجة إلى إعلان. ولا حاجة أيضاً للتذكير بالأدوات التي تستخدمها سلطات الاحتلال للسيطرة على الأراضي الفلسطينية، من قرارات حكومية، وتشريعات للكنيست أتاحت تسجيل الأراضي للمستوطنين، وألغت قوانين كانت تحول دون تملكهم لها، علاوة على الأوامر العسكرية بالمصادرة المباشرة، فكل ذلك أصبح أمراً واقعاً. لكن اللافت هو التحول الذي طرأ في السنوات الأخيرة بإسناد هذه المهمة للمستوطنين مع تغطية كاملة من جيش الاحتلال، ولن نتحدث هنا عن مخالفة ذلك كله للقوانين والمواثيق والمعاهدات الدولية، التي لا يعيرها الاحتلال ومستوطنوه أي اهتمام. لكن الخطورة وصلت إلى ذروة الانفلات الأعمى عقب تسليح المستوطنين، وشروعهم بالقتل المتعمد للفلسطينيين، وصولاً إلى إدخال كرافانات الاستيطان إلى قلب منازلهم، بهدف تشريد الفلسطينيين ودفعهم إلى الهجرة. ويشير تقرير حركة «السلام الآن» إلى أن الحكومة الإسرائيلية لا تعلن رسمياً عن إلغاء اتفاقيات أوسلو، ولا تسن قوانين لضم الضفة، أو تتطرق إلى التسبب بانهيار السلطة الفلسطينية، غير أنها نقلت صلاحيات هذه السلطة عملياً، إلى ما يسمى «الإدارة المدنية» التابعة للاحتلال، ما يشكل عملياً ضمّاً غير معلن.
