الأمم المتحدة، التي مضى على إنشائها واحد وثمانون عاماً، لم تسلم منذ نشأتها من الانتقادات، ومن ثمّ قُدمت الكثير من مبادرات إصلاحها، والكثير من تلك المبادرات كان من داخل المنظمة ذاتها، لكن الجديد أن واحداً من المرشحين لمنصب أمين عام المنظمة وهو رافائيل ماريانو جروسي، المدير العام الحالي للوكالة الدولية للطاقة الذرية، يحذر من سير المنظمة في طريق الموت البطيء، مرجعاً ذلك إلى أنها «لم تعد تسهم بشكل جوهري في حل الأزمات أو الحروب بين الدول».
تلك هي العلة الرئيسية التي تعانيها الأمم المتحدة، ولهذه العلة مظاهر واضحة، فضلاً عن السوابق التاريخية، فيكفي النظر إلى الصراع الدائر في شرقي أوروبا منذ سنوات، وكذلك الصراع المحتدم في الشرق الأوسط منذ فبراير الماضي. وإن أردت مثالاً حياً لصراع عاصرت الأمم المتحدة جلَّ مراحله ولم تستطع فعل الكثير فيه، بل إنها باتت شبه مستبعدة منه، ومؤسساتها الفاعلة فيه مستهدفة، فإنه الصراع العربي الإسرائيلي.
في شأن هذه العلة يمكن الحديث عن أسباب كثيرة من قبيل عدم توفر التمويل اللازم، وعدم كفاية القوات التي يمكن للأمم المتحدة تعبئتها في عمليات حفظ السلام، وكذلك طبيعة تلك العمليات، وغيرها من الأسباب. لكن يبقى السبب الرئيسي متمثلاً في غياب اجتماع إرادة الأطراف صاحبة القرار النافذ في المنظمة الدولية، وبشكل أدق الأعضاء الخمسة دائمو العضوية في مجلس الأمن الدولي، الجهاز الرئيسي المنوط به حفظ السلم والأمن الدوليين.
هذه الدول في حال كانت إحداها منخرطة في صراع ما بشكل مباشر فهي دائماً تعمل على الابتعاد به عن المناقشة في المجلس من الأساس، وإذا فشلت في ذلك فإنها تعمل على إقناع باقي الدول دائمة العضوية بصحة موقفها، وإذا لم تفلح في ذلك، وهذا ما يحدث على الأغلب، فإنها تستخدم حق النقض ضد أي قرار تتفق عليه باقي الدول الأربع عشرة أعضاء المجلس، وهنا يبدو المجلس مشلولاً، ولا يقف هذا الشلل عند القضايا التي تخص هذا العضو الدائم أو ذاك مباشرة، وإنما القضايا التي تخص حلفاءه أيضاً.
من الواضح أن أي محاولة إنقاذ للأمم المتحدة لابد أن تبدأ بمحاولة إصلاح حقيقية لآلية اتخاذ القرار في مجلس الأمن الدولي، فالعالم لم يعد كما كان في عام 1945، فقد باتت هناك قوى ومراكز جديدة تطالب بأن لا تظل تحت رحمة توافق يندر حدوثه بين القوى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية.
لا يعني ذلك أن مجلس الأمن وحده هو ما يستحق الإصلاح، إنما هناك حاجة ضرورية لتفعيل آليات عمل المنظمة وأجهزتها الرئيسية والفرعية، وهي التي تقوم بأدوار مهمة، ومرة أخرى لن يتسنى ذلك إلا باجتماع الإرادة الدولية، وما يقتضيه من احترام القرارات الأممية، والتوقف عن ممارسة الضغوط التمويلية على المنظمة.
العالم في أمسّ الحاجة إلى منظمة عالمية تتمتع بالكفاءة والفعالية، وعليه أن يتعلم من درس انهيار عصبة الأمم، وعلى الأغلب فإن كلفة المحافظة على المنظمة القائمة ستكون أقل بكثير من كلفة إنشاء منظمة بديلة في حال سقطت الأمم المتحدة صريعة الموت البطيء أو الانهيار السريع.