الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

إيران.. عندما يصبح السلام كابوساً

16 أغسطس 2026 00:07 صباحًا | آخر تحديث: 16 أغسطس 00:07 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
تنساق التحليلات السياسية الشائعة ناهيك عن السجالات الإعلامية إلى تصوير الحروب والنزاعات المسلحة كأقصى درجات الخطر التي قد تواجهها الأنظمة، غير أن القراءة الدقيقة لبنية النظام الإيراني تحيل إلى مفارقة استراتيجية أكثر عمقاً مفادها أن الخطر الوجودي الأكبر الذي يتهدد هذا الهيكل القيادي لن يتجلى أثناء أزيز الرصاص؛ بل في اللحظة التي تتوقف فيها المعارك ويجد النظام نفسه مكشوفاً بلا سواتر خارجية أمام استحقاقات الداخل.
تؤكد التقييمات الحقوقية والمالية الصادرة عن مراكز الأبحاث الدولية أن خروج طهران من دائرة المواجهات الإقليمية سيعيد توجيه الغضب الشعبي المحتقن مباشرة نحو أصل الأزمة المتمثل في سوء الإدارة البنيوي والانهيار المعيشي الممنهج؛ إذ تحولت إيران بالفعل إلى «منطقة الانهيار الهيكلي» جراء العقوبات والتضخم المفرط.
اليوم، يتجاوز المأزق حدود قدرة الدولة على صرف مرتبات أجهزتها، ليطال القيمة الشرائية لتلك الرواتب التي لم تعد تكفي لتأمين الأساسيات، ما يهدد بدوره الولاء الوظيفي للقواعد الأمنية وعناصر «البسيج» والمجندين في الحرس الثوري وعائلاتهم.
هذه التقييمات لم تعد مجرد قراءات تصدر عن خصوم طهران؛ بل غدت واقعاً يقر به رأس السلطة التنفيذية نفسه، فقد جاءت اعترافات الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بوضوح نادر، معلناً أن الاقتصاد- وليس ميدان المعركة الفعلي- بات «جبهة الحرب الرئيسية» والمهدد الأكبر لتماسك البلاد، صريحاً في تحذيره من أن استمرار ضغوط الحياة اليومية وتدهور المعيشة سينحران الرصيد الشعبي المتبقي للنظام من جذوره.
تتطابق هذه الاعترافات المباشرة من داخل هرم السلطة مع البيانات الرسمية الصادرة عن مركز الإحصاء الإيراني؛ إذ سجلت أسعار السلع والمواد الغذائية قفزات قياسية تجاوزت 134%، في حين تتعدى نسبة التضخم في أسعار الزيوت والدهون حاجز 278%، واللحوم أكثر من 172%.
هذا التداعي السريع للعملة الوطنية والقدرة الشرائية قد يُسقط آخر صمامات الأمان التي اعتمدت عليها السلطة لعقود، والمتمثلة في شراء صمت الطبقات المحرومة عبر الدعم المباشر والشعارات التعبوية، ومع وصول هذه السياسات إلى طريق مسدود، تزداد احتمالات انفجار أزمات اجتماعية متلاحقة لا يمكن احتواؤها بالحلول الأمنية التقليدية، لاسيما بعد أن فقدت الرواية الرسمية مصداقيتها أمام واقع معيشي معقد.
في ظل انسداد الأفق هذا، لم يعد الرهان على إعادة تدوير الخطاب العقائدي كافياً لامتصاص الاحتقان المعيشي المتفاقم؛ إذ تجد السلطة نفسها أمام معادلة صفرية تتضاءل فيها هوامش المناورة الداخلية والمالية بشكل غير مسبوق.
هذه الأرقام المفزعة تثبت أن الطريقة القديمة للنظام الإيراني بالهروب إلى الأزمات الخارجية، لم تعد تجدي نفعاً لحجب الرؤية عن الفشل الداخلي الذريع، وإن أي مسار سلام شامل يفرض على القيادة الإيرانية العودة لحكم بلادها في وضع استقرار مفترض، سيعري عجزها عن تلبية الحد الأدنى من متطلبات مواطنيها، حينها فقط، لن تكون خشية النظام من القنابل؛ بل من لحظة الحساب الداخلي عندما تتوقف الأموال ويستفيق الشارع على واقع مدمّر.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة