ربما في وقت من الأوقات كان حياد لبنان ترفاً سياسياً يطرح في معرض البحث عن حل لأزمة وطنية عابرة، وغالباً ما كان ينقسم المجتمع اللبناني عمودياً على ذلك الطرح الذي اعتبر في مرحلة من المراحل باباً لفدرلة لبنان، وفي أحسن الأحوال مشروعاً كباقي المشاريع التي كانت تطرح على أن يُستهلك، ويُترك جانبا ليتلاشى حضوره مع الوقت.
وحياد لبنان الذي طرح سابقاً بوجهين مختلفين، الأول ينطلق من قواعد قانونية ذات صلة بنظام الحياد في القانون الدولي، على غرار ما اعتمد في بعض الدول سابقاً، كسويسرا والنمسا وبلجيكا والسويد وبولندا، وغيرها من الدول، أما الثاني وهو ذات طابع سياسي، عادة ما تتخذه الدول في معرض نشوء أزمات إقليمية تترك انعكاسات سلبية كبيرة على تلك الدول. في الجانب الأول وهو نظام قانوني له قواعده، وشروطه، وآثاره وتداعياته القانونية والسياسية، وله نظام خاص على الدول التي تتبعه التقيد بشروط توضع لحسن تدبير العلاقات البينية والإقليمية بين الدولة التي تتبناه وباقي الدول، ويضع عليها التزامات خاصة إبّان الحروب، إذ إن أيّ خرق للقواعد يمكن أن يؤثر في الدولة وعلاقاتها، الإقليمية والدولية، فيما الثاني هو الحياد عن سياسة المحاور الإقليمية، وهو نوع من الحياد الهدف منه الابتعاد عن المواقف التي تتسبب بعلاقات سلبية عادة ما تؤدي الى صدامات غير محمودة النتائج.
ولبنان الذي اختبر الكثير من المشكلات الداخلية والخارجية، عادة ما تم طرح نظام الحياد كإطار قانوني لحماية أوضاعه التي كانت تنفجر في بعض الحالات، وتتسبب بانشطار داخلي أدى الى صدامات، عسكرية وأمنية. ويعيش لبنان اليوم أسوأ الأوضاع التي باتت تهدّده وجودياً، وبالتالي ثمة من ذهب للبحث عن حلول لهذه الأوضاع، من بينها نظام الحياد باعتباره يؤسس لبيئة، داخلية وإقليمية، تسهم في إعادة ترتيب أوضاعه الداخلية، وعلاقاته الدولية.
في المبدأ كان رفض المشروع سابقاً ينطلق من مجموعة أسباب متصلة بكل دول الجوار اللبناني. أما اليوم، فقد تلاشت معظم المؤثرات بعد المتغيرات الحاصلة في الشرق الأوسط، حيث التأثير غير الفاعل، ما يسهم في إمكانية إنجاح هذا النظام وإطلاقه في منطقة عانت مئات الازمات التي غالباً ما تركت آثارها في لبنان.
واذا كانت هذه المتغيرات، الإقليمية والدولية، التي يمكن أن تعطي مؤشرات إيجابية للانطلاق بالمشروع، فإن أوضاع لبنان الداخلية باتت أقرب الى القبول بالمشروع بعد دخول لبنان في نفق غامض، ليس معروفاً موقعه ولا دوره، في منطقة يعاد تركيبها الجغرافي السياسي وفقاً لمعطيات جديدة ذات صلة بالتركيب الديموغرافي بعد سلسلة من النزوح القسري لمعظم دول المنطقة، من بينها لبنان، الذي أغرق أولاً بالنزوح الفلسطيني منذ عام 1949 وما تلاه، والنزوح السوري وهو الأكثر تأثيراً، نظراً للأعداد المهولة للنازحين، وعدم قدرة لبنان على استيعابهم.
في أيّ حال من الأحوال، وإن تجمعت الظروف الداخلية والخارجية الملائمة لإطلاق مثل ذلك المشروع، فإن متطلبات كثيرة أخرى ينبغي تأمينها لإمكانية الإطلاق، والحفاظ على شروط المشروع في ظروف ضاغطة تحتاج إلى الكثير لتفكيكها، وتأمين القواعد الملائمة لبقائها.
ربما أصعب ما يواجهه هذا المشروع، هو ضعف الدولة المعنية به، أولاً وأخيراً، لبنان، غير القادر حالياً على تأمين الحد الأدنى لإطلاقه، حيث معظم مدنه ومناطقه قد دمرت تدميراً كاملاً بفعل الحروب المتتالية، وأوضاعه الاقتصادية المنهارة، علاوة على أوضاعه الاجتماعية، إضافة الى الانقسام الحاد بين فئاته الاجتماعية.
ومهما يكن من أمر، فإن ما يمرّ به لبنان من ظروف وجودية مرعبة، يظهر أنه بحاجة أولاً لموقف داخلي يتجاوز أسباب الانقسام، وتأمين الحد الأدنى من التوافق، ومحاولة تأمين دعم خارجي لهذا المشروع، وعلى الرغم من الصعوبات ثمة ضرورة لتأمين المستحيلات. ثمة تدمير شامل لمعظم المناطق اللبنانية، بخاصة جنوبه وبقاعه، وثمة فرز طائفي مناطقي يسهل في مشروعات التقسيم والفدرلة، كل ذلك وسط مشاريع واتفاقات بعضها سرّي وغير معلن، أقلّها ستسهم في عمليات التدمير الممنهج، ومحاولة القضاء على أيّ معلم من معالم الحضارة التي كان يتغنى بها لبنان، ويعتبرها ميزة فارقة في شرق أوسط يحتاج إلى نموذج يحتذى، والذي، على الرغم من الحروب المتتالية، ظل لبنان وفي أقسى الظروف مثالاً يحتذى.
وخلاصة القول، علّ نظام الحياد اليوم يكون مشروعاً لإنقاذ لبنان أولاً، ومن ثم إعادته لموقعه المتميز، ودوره الحضاري في منطقة تحتاج إلى الكثير من أدواره وصوره المشرقة، ولو في عزّ الحروب.
