يظن الكثيرون، حتى من بعض النقاد، أن النقد في العصر الجاهلي كان عبارة عن حالة بسيطة غير متعمقة، تُلقى من خلالها في وصف القصيدة كلماتٌ ذات دلالات لا تمس العمق الفني للنص، مثل: «الدّرة»، أو «اليتيمة»، وغير ذلك مما يعطي انطباعاً بأن النقد في ذلك الوقت كان انطباعياً وسطحياً، أو يقتصر على عبارات مكثفة ومختزلة وعابرة. وكل ذلك يشير إلى صورة منقوصة تغفل عن آليات النقد الأدبي والشعري في ذلك الوقت، وذلك حكمٌ ناتجٌ عن فعل متعجل لم يتعمق في الظاهرة النقدية التي تشكلت في ذلك العصر الذي شهد ذروة الشعر العربي.
والواقع أن هنالك الكثير من المؤشرات والمواقف التي تدل على خطأ هذه الصورة الذهنية التي رسخت في أذهان الكثيرين، فقد كان هناك مجتمعٌ نقديٌ بامتياز، بأدواتٍ من عمق الواقع، إذ كان المستمع الجاهلي يتمتع بحسٍ عالٍ بالشعر، وأذنٍ موسيقية شديدة الحساسية، لديه القدرة على التقاط الأخطاء بالمقدرة ذاتها التي يلتقط بها المقاربات والتشبيهات والصور الجميلة في القصيدة. وكانت العملية النقدية نفسها تتم في لحظة إلقاء النص الشعري وقبل فراغ الشاعر منه، فكان المستمعون يمارسون عملية التصويب اللحظي إذا ما أخطأ الشاعر في الوزن أو اللغة أو أقحم لفظة غريبة.
وهذا يشير إلى عمق التواصل بين الشاعر والجمهور، والتماثل في المعرفة بالشعر، فالجمهور يرى بوضوح الصور والمشاهد التي يصنعها الشاعر في قصيدته لأنه عاش في الواقع ذاته، ومرّ بالتجارب نفسها، ويعلم أسرار اللغة ذاتها وأغوارها، كما يعرف الأساليب البلاغية والتركيبية السائدة، ولديه ترميز لغوي مشترك مع الشاعر، فتصل القصيدة إلى ذهنه ووجدانه مباشرة دون أي عوائق. ونتيجة لذلك، فإن الرؤية النقدية عند جمهور الشعر في ذلك الوقت كانت تتجه بشكل كامل نحو الجودة والوقوف على درجة الإبداع، فإذا ما أجاد الشاعر قيل له: «أحسنت»، ولم تكن كلمة تُلقى هكذا على سبيل المجاملة، بل لأن الشاعر قد استحقها حقيقة.
وكانت تجري كذلك في هذا المجال النقدي المقارباتُ والمفاضلات بين القصائد، من حيث إتيان الشاعر بتعبيرات جديدة، وتفوّق قصيدته على شاعر سبقه، وهو ما عُرِف ب «المفاضلات النقدية». كما كان هناك اهتمام مبكر بقضية السرقات الأدبية، إذ كانت من الركائز المهمة في المقارنات النقدية، وقد عُرِفت في وقت باكر في وعي البيئة الجاهلية نتيجةً لتوفر ذاكرة جماعية، فكان الشعراء يحفظون شعر بعضهم بعضاً، وكان الجمهور كذلك يختزن القصائد كلها في ذاكرة نهضت على الشعر، فكان بحق هو «ديوان العرب».
