الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

أُزعومةُ السيادة الوطنية في الغرب

17 أغسطس 2026 00:14 صباحًا | آخر تحديث: 17 أغسطس 00:14 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
أوّل ما تُنْعَت به الدولة الوطنية الحديثة أنها دولة سيدة على نفسها وعلى أحيازها. السيادة فيها، بلغة المنطق الأرسطي، جوهر لا عَرَضٌ ولا هي من السمات الفائضة عن حدها مثل القوة أو الغِنى أو خلاف ذلك، فلقد تكون الدولة ذات سيادة من غير أن تكون قوية، بالمعنى المادي، ومن غير أن تتوافر لها أسباب الدَّعةِ والثّراء بالضرورة، فهذه - من الأمور وغيرها - مما يمكن أن يَعْرِض لها أو يطرأ عليها أثناء التطور لا في التكوين، على وجه الضرورة، وإنْ كان مطلوباً عندها بلوغه وإصابة حظ منه لِعظيم ما يتولّد منه من منافع ومكاسب عليها وعلى مَن ينتمون إليها من الأهالي والمقيمين.
نشأت فكرة السيادة، في الفكر السياسي والقانوني والفلسفي، مع بودان ثم هوبس في خواتيم القرن السادس عشر والنصف الأول من القرن السابع عشر، بما هي فيصلٌ لتسوية النزاعات بين الدول الأوروبية - وقد تَفاقَم أمرُها واستفحلت أكثر في سياق الحروب الدينية - وحمْلِها على إتيانِ اعترافات متبادلة بينها تصون حدود كياناتها وتمثل ضمانة لها. ثم لم تلبث الفكرة أنِ انتقلت من فلسفة القانون والسياسة إلى حيز السياسات المطبقة بدءاً من نهاية النصف الأول من القرن السابع عشر. هكذا وضعت معاهدة ويستفاليا (1648) نهاية سياسية حاسمة لِمَا يزيد عن مئة عامٍ من الحروب الدينية في أوروبا - وأشرسها حرب الثلاثين عاماً (1618- 1648)- من طريق تكريسِها الاعترافَ بحدود الدول القائمة واحترامَ مبدإ السيادة الوطنية: المبدأُ الذي أنجب صيغة الدّولة الوطنية فبات معياراً يُقاس به وجودُها أو انعدامُه منذ ذلك الحين وحتّى اليوم.
لا يختلف اثنان في أنّ الجغرافيات السياسية للدول تحركت وماجتْ، كمثلِ الرمال، وتغيرت ملامحَ ومساحةً منذ ويستفاليا حتّى اليوم، وهو الأمرُ المفهومُ في ضوء حقيقة ذلك الامتداد الزمني الطّويل (380 عاماً) الفاصل بين ابتداء السيادة وما إليه آلت أحوالُها اليوم. كان واضحاً أنّ أظْهَر أسباب ذلك التبدل في تلك الجغرافيات ما اندلع من حروبٍ بين الدّول في تلك الحقبة المديدة، وما أسفرت عنه من نتائجَ مساعِدةٍ، في حالاتٍ، على التّوسّع ودافعةٍ، في أخرى، إلى الانكماش ويدخل في جملتها الحروبُ التي فتحتِ الباب أمام التوحيد القومي. هكذا انقرضت دولٌ وامبراطوريات ونشأت أخرى، اتّحدت مقاطعات في دولٍ مركزية وتفتتت دولٌ وتجزّأت فانتهت إلى ما يشبه الدّويلات... إلخ. مع ذلك، كانتِ الدّولُ جميعُها، والحركاتُ والقوى التي عملت في أكنافها، تَنْشُد السّيادةَ نشداناً لأنّها ضمانتُها الوحيدة في مواجهة عوامل التّمزيق والسّيطرة.
إذا كانت سيادةُ دولة تعني استقلالَها، ابتداءً، وعدَم خضوع قرارها الوطني السيادي لغيْرٍ يسيطر عليها ويفرض عليها التبعيّة له، فاستقلالُها ليس يعني استغناءَها المطلق عن غيرها وانتفاءَ الحاجة إلى ذلك الغير. شَرَعَتْ هذه الحقيقة تتبدّى مع تنامي النّظام الرأسمالي العالمي واتساعِ دائرة المصالح المتولدة من العلاقات داخل نظامه، وبالتحديد مع تداخُل تلك المصالح وتشابُكها بين الدّول وما نشأ من ذلك من حاجاتٍ متبادَلة بينها حَمَلت على قيام علاقات تعاوُنٍ بينها ما لبثت، مع الزّمن، أن صارت علاقات اعتماد متبادَل.
أمّا مع نشوء اتحاداتٍ بين الدول، فصار مفهوم السيادة نسبياً أكثرَ من ذي قبل فما عاد يعني ما كان يعنيه في الماضي، لأنّ قيام مثل تلك الأطر الجامعة فوق- القوميّة أو العابرة للقوميّات، واجتراح الحدّ الأدنى بينها في السّياسات والمصالح اقتضى، في جملة ما اقتضاه، تنازُلَ كل دولةٍ عن جزءٍ قليلٍ من سيادتها من أجل تكوين سيادة عليا جامعة: على منوال ما حصل في أوروبا حين تأسيس «الاتّحاد الأوروبيّ».
تختلف الصّورة، اليوم، بل منذ عقودٍ خلت عما كانتْهُ قبْلاً. ما عاد في إمكان أحد أن يقطع بسيادة أي دولةٍ من الدول الحديثة في العالم (الغرب تحديداً) أمام تعاظُم نفوذ الولايات المتحدة الأمريكية الكوني، واتّساعِ نطاق تدخّلاتها في سياسات أوروبا والغرب، وأمام ممارستها أساليبَ الابتزاز والإملاء في مخاطبتها وصولاً إلى التحكُّم شبه الكلي في إرادتها: دُولاً منفردةً واتحاداً. لا رأي لأوروبا، اليوم، في شؤون العالم إلّا ما تراه أمريكا، وعلى الأولى أن تنتظم خياراً تحت سقف الثّانية، بل قد لا يكون مسموحاً لها حتى أن تستقل برأيٍ في أمنها الجماعي ومصالحها الاتحادية إن كان لذلك أن يصطدم بمصالح أمريكا.
الحربُ على غزّة وجرائم الإبادة الجماعية فيها والحربُ الرّوسيّة- الأوكرانيّة وعجزُ أوروبا عن التصرف إزاءهما بعيداً من الإملاءات الأمريكية دليلٌ معاصر طري على اضمحلال سيادة دولها وفِقدانها استقلاليةَ قرارها. مرّةٌ أخرى ينفضح أمرُ السيادة، في نظام الدولة الحديثة، ويُماطُ عنها النّقاب لتبدوَ مثلما هي فعلاً: أسطورةً من أساطير السّياسة.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة