الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

فجوة بين شعوب الغرب ونُخبه الحاكمة

3 أغسطس 2026 00:06 صباحًا | آخر تحديث: 3 أغسطس 00:06 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
كلُّ من يعرف طبيعة النّظام الديمقراطي وقيمَه الحاكمة، يدرك أن من العسير على المرء، إنْ لم يكن من المستحيل، أن يتخيّل تطابُقاً ما بين شعوب دُوَله، من جهة، ونُخبِها الحاكمة، من جهةٍ ثانيّة، على صعيد الرّأي والموقف: من مسائل الدّاخل والخارج معاً. إنّ مثل هذا التطابق أمر افتراضي، تماماً، لا يمتّ للواقع بصِلةٍ، إذِ المعلومُ من سوابق الاجتماع والتاريخ أنه ما من مجتمعٍ سياسي يمكنه أن يبلغ لحظةَ التجانس فيه على نحوٍ تلتغي فيه، تماماً، تبايناته وعلاقات التعدد في تكوينه أو يشهَد على تماثُل بين قُواه وفئاتِه ونصاباته، حتى وإنْ هو بلَغ من الاندماج الاجتماعي عظيمَ المقدار وتوطنت فيه فكرةُ الوحدة الوطنية إلى حدودِ صيرورتها ثقافةً جمْعيّة. إنّ ذلك من «طبائع» الوجود الإنساني وقوانينه.
إذا كانت هذه هي حقيقة كل اجتماع سياسي في دنيا الوجود الإنساني، فكيف باجتماعٍ سياسي ينتظمُ تكوينه وتستقيم علاقاته على مقتضى عقلاني شأن الدول التي قامت فيها أنظمة ديمقراطية واستتب لها الأمر كما هي الحال في بلدان الغرب، إذ المعلوم أنه في كنف النظام الديمقراطي تتعاظم مساحات حرية الرأي والتعبير في المجتمع فيتولّد من ذلك أن ينتحل الأفرادُ والجماعات لأنفسهم خيارات عامةً لا تكون موضع إجماع عام، فيميلون إلى المُمايَزة بعضهم عن بعض والاصطفافِ، من ثمّة، وراء خيار رأي موقف بعينه في مقابل آخَر نقيض.
إذا كان مبْنى الأنظمة الديمقراطية على التنافُس بين قُواها الاجتماعية والسياسية على إدارة الشؤون العامة، فإن التنافس ذاك لا يكون بين نظراء متفقين في الخيارات، بل يكون بين مختلِفين وإلا بَطَل أن يكون تنافُساً من حيث المبدأ. على أن آلية التنافُس، وهي آليةٌ دافعة، لا تتوقف عن الاشتغال، كما لا يقود حسْمُ التنافُسِ (الانتخابات مثلاً) إلى إنهاء الاختلاف، بل تَراهُما يستمران (التنافس والاختلاف) في الاشتغال جنباً إلى جنب وفي تجديد نفسيْهما وشروط استمرارهما مبدأيْن حاكميْن للسياسة. لا غرابة، إذن، في أن يمتنع علينا أن نتخيل تجانساً سياسياً، أو نمطاً من الإجماع تماثلياً، بين قوى متعددة المشارب والمنابت في البلدان الديمقراطية أو بين النخب الحاكمة والشعوب فيها، بل لا غرابة في أن نرى في التدافع الدائب بين قواها وفي فاعلية عملية الاعتراض والاحتجاج فيها علامةَ صحةٍ وسَواء لا علامة سَقَمٍ واعتلال.
غيرَ أنّ التّسليمَ باستحالة قيام حالٍ من التجانس المطلق في أي اجتماع سياسي، والتشديد على أن الاعتراض والاحتجاج والتدافع دليلٌ على سعَة الحريات ورسوخِ الحقوق المدنية والسياسية، شيءٌ والفجوةُ المهولة بين الأنظمة والشعوب في بلدان الغرب، وهي التي لا تَني تتعاظم اتساعاً، شيءٌ آخر مختلف تماماً، لا يَقْبل المقاربةَ بالأدوات عينها التي نقارِب بها النظامَ الديمقراطي وتفاعلات قواه في أوضاعه العادية التي يتمتع فيها بانتظامِ حالةِ الاستقرار فيه. نحن، في هذه الحال، أمام وضعيّة أزمة في هذا النظام تتلخص في أنه شَرَعَ في فقدان واحدٍ من أركان شرعيته: التمثيل المطابق للإرادة العامة، أي لإرادة مصدر السلطة والسيادة في الدولة الحديثة (الشعب)! والنظامُ إذ يتنكّب عن إحسانِ تمثيل المواطنين وإجابةِ مطالبهم، التي امتنَعَ إمكانُ التّعبير عنها في المؤسسات فانتقلت إلى الشارع، إنّما يرفع عن نفسه واحداً من أردية مشروعيتِه، أما النخبة الحاكمة التي تعاند موقف رأيها العام الشعبي وتتجاهله في شكلٍ من التحدي الصارخ ممعنةً في سياساتها التي أنتجت تلك الحالة الاحتجاجية العارمة، فتَعْزِل نفسها، حكماً، عن السياق الديمقراطي لتبدو، مثلما هي فعلاً، في حالة استيلاءٍ سياسي على السلطة والقانون، والأهمّ من ذلك والأخطر، تُدخل النظام السياسي الديمقراطي نفسَه في حالٍ من التأزم تتراجع معها نسبةُ ثقة المواطنين به!
شهدنا مثالات عديدةً لتلك الفجوة الهائلة بين النخب الحاكمة والشعوب في الغرب في ظروفٍ ولمناسبات مختلفة: في حركات الاحتجاج العالمية ضد السلاح النووي وسباق التسلح بين الشرق (السوفييتي) والغرب على امتداد حقبة الحرب الباردة، وفي حركات مناهضة الحرب الأمريكية على فيتنام في ستينات القرن الماضي وبعضِ سبعيناته، في حركات الدفاع عن البيئة ضد التدمير الصناعي لها بين الثمانينات ومطلع هذا القرن، في الحرب الأمريكية الأطلسية على العراق وحصاره وغزوه (1990- 2003)، في حركات مناهضة العولمة منذ تسعينات القرن الماضي حتى اليوم... إلخ، لكنّ أَصْرَخَ حالات الفجوة تلك وأكثرَها جلاءً هي تلك التي تجلّت في سياق الحرب على غزة والإبادة الجماعية لشعب فلسطين فيها منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، حيث بلغ الانقسامُ الداخلي ذُراهُ وتبدّتِ المسافةُ الخرافية التي تفصل السياسات الرسمية الغربية عن هواجس الشعوب ومواقفِها المناصرة للحق والعدالة والكرامة الإنسانية ضد العدوان والنازية والاحتلال والإبادات الجماعيّة وتبديد حقوق الشعوب.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة