الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الحروب.. المَلْمَح الأبشع في وجه البشرية

10 أغسطس 2026 00:01 صباحًا | آخر تحديث: 10 أغسطس 00:01 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
للحرب معنًى أوسع من المعنى الذي استقر لها في التاريخ، أو قُل الذي استقر في الأذهان عنها منذ زمن بعيد من العصر الحديث. ليست الحرب فعلاً من أفعال الإفناء المادي والإيذاء البدني باستخدام وسائل ذينك الإفناء والإيذاء من أدوات الفتك (الناري وغيرِ الناري)، فقط، وإنما هي - أيضاً - كل فعْل عدواني يتغيا به صاحبُه، الذي يمارِسه، إلحاقَ مستوياتٍ من الأذى متعددة بمن يقع عليه ذلك الفعل: قد تتدرّج صعوداً من حدودٍ دنيا (إتيانُ الضرر بالمستهدَف) إلى حدودٍ أعلى (القتل). لا يُخْتَصَر تعريف فعْلِ العدوان ذاك في أداة بعينها تُتَوسَّل لذلك الغرض، بل يفيض عن أداة حصرية ليشمل كلّ وسيلة يقود استخدامها إلى تحصيل الهدف عينه.
لا يختلف معنى الحرب هذا عن معناه الذي تقرر عند خبرائها من استراتيجييها ودارسيها. هذا، مثلاً، كارل ڤون كلاوزفيتس: القائد العسكري ودارس الحروب ومؤرِّخُها الألماني الأشهر، يعرِّف الحرب بأنها فعْلٌ من أفعال السياسة، ولكنه الفعلُ الذي يمارَس بأدواتٍ غيرِ سياسيّة (وعنه أخذ لينين مفهوم الحرب بوصفها امتداداً للسياسة بوسائل أخرى)، ويعرِّف الهدفَ منها بأنه حَمْلُ العدوّ على الخضوع لإرادة مَن يحاربه والنزول عند مطالبه من شنِّه تلك الحرب. أما وجه الشّبه بين معنى الحرب، الذي أثبتْناهُ قبْلاً، وتعريف كلاوزفيتس لها فكامِنٌ في أن فعْل إخضاع العدو لا يكون على وجْه واحد وحيد وحصري، وإنما هو يأتي مكتسياً صُوَراً منه متعددة تتضافر أساليبها جميعاً على تأدية الغاية عينها من الحرب.
قد تخاضُ الحرب باستخدام الوسائل النارية اليوم، أو بوسائل عسكرية أخرى إبادية، وهذه تبدو - على الأقلّ في تقدير كثيرين - وسائل قاسية أو بربرية أو ما شاكل، وقد تُخاض من طريق استخدام وسائل أقل خشونة أو «ناعمة» - في وصف البعض - من قبيل الحصار الاقتصادي أو العقوبات الاقتصادية، لكن النتيجة واحدة في الحالات جميعاً بحيث يَصِحّ معها ما يقول المأثور الشعري المُتَنَبَّوي في هذا الباب («تعددت الأسباب والموت واحد»). وإذّ يكون المآلُ واحداً، في المطاف الأخير، تتضاءل الفروقُ بين ما يُدْعى «ناعماً» وما يسمَّى بنعته المطابِق من غير تزويق (أي قاسياً)، فلا يعود ثمّة من وجْهِ تفرقةٍ بين فعليْن يهدفان إلى تحقيق المرام من الحرب والذهاب بالعدو إلى حتْفٍ مادي أو معنوي.
إنْ تركنا جانباً وجوهاً فرعيةً في غائيات الحروب من قبيل الرغبة في إذلال مَن تقع عليهم وحمْلِهم، بالقوة المادية العمياء، على الامتثالِ لإرادة الخصم والرُّضوخِ المُذعِن لها متلازماً، تَلازُماً ماهوياً، مع الشعور بالمهانَة والضَّعَة وتَجَرُّع مرارة كأس الهزيمة المُرة، وأخذنا وجْهَ الحروب السّافر الذي تنصرف فيه إلى الفتْك والإفناء، فلن يفيدنا معيار في التمييز بين المُنْحَطّ من أشكالِها والرّديءِ وما هو «أقلّ» انحطاطاً ورداءةً منها، كما لن يُظْهرَنا القانونُ الدّوليّ وقيمُه على فروق يُعْتَدُّ بها، أخلاقيّاً، بين المشروع في الحروب واللامشروع، بين ما هو جائز ركوبه من مسالكَ فيها «قانونية» وما هو غيرُ جائزٍ مما يخرُج عن نطاق الأطر «القانونيّة» تلك، خاصّةً وأنّ «التّمييز القانونيّ» ذاك لا يَلْحظ الفارق بين حق الدفاع عن النفس لمن يستحقُّه فعلاً، وبين حقّ خوض حربٍ يُشْتَرط فيها، فقط، أن تكون «نظيفةً»: أعني أن تَنْقَضَّ على الأهداف العسكريّة، من غير أن تطالَ المدنيّين والأهداف المدنيّة!
تستوي، بهذا الحسبان، أنواعُ القتْل جميعُها: ما ظَهَر منها وما بَطَن، ما دَوّى منها وما كان أقلَّ تدْويةً، ما تَعَقَّد منه تكوينُ وسيلةِ القتل فيها وما بَسُط أمرُه. هكذا لا يعود من داع حامل على تهوين شأن أسلوب من الإفناء بعينِه أو تهويلِ آخر، والاجتهادِ في تصنيفِ ما لا يقْبَل التصنيفَ في شريعة القتل، إذْ مَن قال إنّ القتل باستخدام السّلاح النّوويّ - في جريمتيْ هيروشيما وناغازاكي مثلاً - أعظمُ عند اللّه والإنسان، عند الدّين والقانون، من القتْل بالسّلاح الكيماويّ والبيولوجيّ، كما في الإبادات العسكريّة الأمريكيّة للشّعب الڤيتناميّ في سنوات الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، أو كما في جريمة الإبادة الجماعية للشعب الفلسطينيّ في غزّة اليوم؟، ومَن قال إنّ إفناء النّاس بالنّوويّ والكيماويّ والجرثوميّ أشد همجية من القتل بالسلاح التقليدي: صواريخَ وقذائفَ ورصاصاً... وأشدُّ مضاضةً على النّفس، أو هو أدنى إلى قانون الدّول من قانون الغاب؟
ليس من طريقٍ قانونيٍّ أو فكريّ ناجح إلى تلميع القتل: وهو فعل قبيح شنيع. القتل - الإفناء - وحده لا يَقْبَل تجميلاً حيث ما مِن مَحْسَنَةٍ فيه يسوغُ بها أمرُه. لذلك كانتِ الحربُ، وما برِحت، وستَبْقى المَلْمَحَ الأبشع في وجْه البشريّة.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة