أثار تناول صحيفة فايننشال تايمز للحضور الإماراتي المتنامي في إفريقيا تساؤلات حول طبيعة هذا الدور، مع استخدام توصيفات تربطه بمفاهيم النفوذ والتمدد، بل وإسقاط بعض سمات التجربة الاستعمارية التقليدية على النشاط الإماراتي في القارة. غير أن قراءة العلاقة الإماراتية–الإفريقية ضمن سياقها التاريخي والاقتصادي والإنساني تكشف صورة أكثر تعقيداً وتوازناً، فالحضور الإماراتي في إفريقيا لا يمكن اختزاله في الموانئ أو الموارد الطبيعية أو المصالح الجيوسياسية، بل يقوم على مسار طويل من التجارة والتعاون والتنمية والمساعدات الإنسانية.
تاريخياً، لم تبدأ علاقة منطقة الخليج بالساحل الإفريقي مع طفرة الاستثمارات الحديثة، وإنما تعود إلى شبكات التجارة البحرية التي ربطت شبه الجزيرة العربية وشرق إفريقيا والهند عبر المحيط الهندي منذ قرون. وكانت تلك العلاقات قائمة على تبادل السلع والمصالح وحركة السكان، وليس على نموذج السيطرة السياسية أو فرض السيادة الذي ميز التجربة الاستعمارية الأوروبية. ومن هنا، فإن إسقاط مفهوم «الإمبراطورية» على الحضور الإماراتي المعاصر يتجاهل الفارق الجوهري بين الاستثمار والشراكة من جهة، والاستعمار القائم على الاحتلال والإخضاع وإدارة أراضي الآخرين بالقوة من جهة أخرى.
ومع تأسيس دولة الإمارات عام 1971، انتقلت هذه الروابط إلى إطار مؤسسي يقوم على الدبلوماسية والتعاون التنموي. وفي العام نفسه أُنشئ صندوق أبوظبي للتنمية، لتصبح المساعدات الخارجية والتنمية جزءاً مبكراً من السياسة الخارجية للدولة، قبل أن تتوسع لاحقاً منظومة العمل الإنساني من خلال مؤسسات مثل الهلال الأحمر الإماراتي وغيرها.
ولا يعني ذلك أن الإمارات تتحرك بعيداً عن مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية، فكل الدول تسعى إلى توسيع أسواقها وحماية تجارتها وتحقيق عائد على استثماراتها. لكن وجود المصلحة لا يساوي الاستعمار. المعيار الأكثر موضوعية هو النظر إلى طبيعة الاستثمار ونتائجه على الدولة والمجتمع المضيفين: هل يخلق فرص العمل؟ هل يطور البنية التحتية؟ هل يزيد قدرات إنتاج الكهرباء والنقل والتصدير؟ هل ينقل التكنولوجيا ويضيف قيمة محلية؟ أم يقتصر على استخراج الموارد ونقلها إلى الخارج؟
وفق هذا المعيار، تظهر طبيعة أكثر تنوعاً للحضور الإماراتي. فالاستثمارات لا تتركز فقط في النفط أو المعادن، بل تمتد إلى الموانئ والخدمات اللوجستية والطاقة المتجددة والزراعة والبنية التحتية والخدمات. وقد تجاوزت الاستثمارات الإماراتية في إفريقيا حاجز 100 إلى 110 مليارات دولار.
ويبرز قطاع الطاقة مثالاً مهماً، إذ تواجه دول إفريقية عديدة فجوات كبيرة في إنتاج الكهرباء والوصول إليها، في الوقت الذي تتمتع فيه القارة بإمكانات ضخمة في الطاقة الشمسية والرياح والطاقة الكهرومائية. ومن ثم، فإن الاستثمار الإماراتي في الطاقة المتجددة لا يمكن قراءته فقط من زاوية المصلحة التجارية، بل كذلك من زاوية مساهمته في معالجة أحد أبرز معوقات التنمية الإفريقية، وهو نقص الطاقة اللازمة للتصنيع والخدمات والنمو الاقتصادي.
وينطبق الأمر ذاته على الموانئ. فتطوير ميناء إفريقي لا يعني بالضرورة «السيطرة» عليه، وإنما يمكن أن يوفر للدولة المضيفة بنية تحتية حديثة وربطاً أفضل بالأسواق العالمية، إلى جانب الوظائف والرسوم والإيرادات والخدمات المرتبطة بالنقل والتخزين والمناطق الصناعية. ولهذا ينبغي تقييم كل مشروع استناداً إلى شروطه وعوائده ونسب التوظيف ونقل المعرفة، وليس استناداً إلى جنسية المستثمر.
كما أن العلاقة ليست في اتجاه واحد. فالإمارات أصبحت مركزاً للتجارة والتمويل والخدمات اللوجستية وإعادة التصدير تستفيد منه كذلك الشركات ورجال الأعمال الأفارقة. ويعكس وجود عشرات الآلاف من الشركات الإفريقية المسجلة والعاملة في الإمارات علاقة اقتصادية متبادلة، وليس مجرد انتقال لرأس المال أو الموارد من إفريقيا إلى الخارج.
ويظل البعد الإنساني والتنموي أحد أكثر العناصر أهمية في فهم السياسة الإماراتية تجاه القارة. فالإمارات تجمع بين الاستجابة العاجلة للأزمات الإنسانية وبين الاستثمار الطويل المدى في القطاعات التي تعالج مسببات الهشاشة، كالغذاء والطاقة والبنية التحتية. وبذلك يتحول الدعم من مجرد مساعدات طارئة إلى محاولة لبناء قدرات تمكّن المجتمعات من تحقيق قدر أكبر من الاستقرار والاستدامة.
ومن الطبيعي أن تخضع الاستثمارات الإماراتية، مثل أي استثمارات دولية أخرى، للنقد والتقييم، خصوصاً فيما يتعلق بالشفافية والبيئة وحقوق المجتمعات المحلية وسلاسل توريد الموارد. لكن الأجدى أن تناقش هذه القضايا ضمن معايير الحوكمة الدولية التي تطبق على جميع المستثمرين، وليس عبر إطلاق توصيفات لا أساس لها من الصحة.
إن الإمارات لا تدير دولاً إفريقية ولا تفرض سيادتها عليها، وإنما تدخل في اتفاقيات وشراكات مع حكومات إفريقية ذات سيادة تبحث هي الأخرى عن الاستثمار والبنية التحتية والتكنولوجيا والأسواق. وبالتالي، فإن الصورة الأقرب إلى الواقع هي شراكة تقوم على المصالح المتبادلة.
