على غير التوقعات المتفائلة التي سبقت الفصل الحالي، يعيش العالم صيفاً سياسياً ساخناً تتقلب الملفات المفتوحة منذ شهور أو سنوات فيه بين موجات هبوط وصعود بلا حلول، وفوقها تتراكم الكوارث الطبيعية العاصفة بشكل لافت، إن كانت زعامات أو حكومات لاذت منذ مطلع الفصل بمقارها الصيفية وتحللت من بعض سمتها الرسمي المعتاد، فإن سخونة الملفات، خاصة المرتبطة بمنطقتنا، تنزع عن الصيف هدأته المعتادة وتعطّل أنشطة ارتبطت به، فلم يعد بوسع الساسة والدبلوماسيين، ومعهم كبار المسؤولين في قطاعات الطاقة والنقل البحري، أن ينعموا بأوقات للقراءة والتأمل والانطلاق إلى الوجهات الصيفية والارتباط بأنشطة عائلية.
تطرف المناخ بصوره المتعددة، والثوران المفاجئ للبراكين، والفيضان المدمر للماء، وارتجاج الأرض تحت أقدام البشر في مواضع عدة من الكوكب، أحداث تتزامن تاركة ضحايا ومشردين، غير أن المشكلة ليست في هذا فقط، فالتضامن بين الدول يداوي بعض الجراح وينبّه إلى أهمية إصلاح ما يفسده الإنسان في الطبيعة، لكنّ الخطايا السياسية مستمرة. كأن الطقس يمنح القرارات السياسية هبّاته الساخنة وتطرفه ويحجب عنها الرؤية فتدهس آمال استعادة الاستقرار.
ها نحن نتجاوز شهرين كانا كافيين لإقرار اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران ينهي هذه الجولة من المواجهة، غير أنها تتفرع كل يوم في مسارات لم تكن متوقعة وكلها مضيعة للوقت والجهد.
كان يفترض أن يبدأ الصيف بما يبرّد أجواء الحرب وما فيها من عدم يقين، لكن الصراع لم يُحسم، ولم يعد بمقدور عقول التحليل والتوقع أن ترى الآتي واضحاً بما يكفي، فطهران تصر على المناورة والرهانات غير المفهومة، وواشنطن متأرجحة بين تهديدات معادة، ولا يُعرف إن كانت ذاهبة إلى اتفاق مستعصٍ أم ضربة ساحقة أم حصار اقتصادي يفي بالأغراض الأساسية للحرب.
أما إسرائيل، فهي تعاكس اتجاه التهدئة الذي بدأ وتسخن في لبنان وفلسطين وتيسر عودة تفجر الأوضاع على الجبهتين بالتلكؤ في تنفيذ اتفاقات وإطلاق يد الاستيطان وألسنة بعض وزرائها المعروفة بالتطرف.
لهيب التصعيد لا يستثني القضايا الأخرى غير المحسومة في المنطقة، سواء ما تقاطع منها مع ملفي إيران وإسرائيل أو انفصل، فلا جديد في السودان ينهي مأساة شعبه الواقع بين فوهتين لا تكتفيان بحصد طعامه وصحته واستقراره وروحه وتوسعان مساحات اليأس داخله.
وفي اليمن، لا تنكمش الأزمة، بل يذهب صانعها الأول إلى التصعيد بالوكالة، ويلقي بالبلد كاملاً في المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، حتى الحرب بين روسيا وأوكرانيا تتشعب وتتوسع ميادينها ونوعية أسلحتها بما يصعّب الحل الذي بدا قريباً في أوقات عدة، كل هذه الأزمات السياسية والمناخية تلد أعباءها الإضافية كل يوم، سواء بما تحصده من أرواح، أو تستنزفه من طاقة المتابعين لها والمتأثرين غير المباشرين منها، ومن جهود التشاور والتفاوض للبحث عن مخارج، حتى زاد لهيب الصيف وغابت الحدود بين المواسم وغابت النهايات.
