حسم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بعد تردد، مسألة خلافته، في البيت الأبيض، عبر «توصية سرية»، وجهها إلى الممولين في الحزب الجمهوري، في 5 أغسطس 2026، باختيار نائبه جي دي فانس للولاية الرئاسية الأمريكية القادمة، وإن كان من السابق لأوانه تحديد موعد إعلان فانس ترشحه، الرسمي، وتحديد موعد إعلان ترامب تأييده العلني له.
فانس صار يتصدر المشهد السياسي الأمريكي ولكن ينأى بنفسه عن ترامب لكي لا يتحمل مسؤولية سياسات الرئيس، والتي تلقى معارضة أمريكية داخلية متزايدة، منتهجاً أسلوب «المُصلح» و»المجدد» السياسي الذي يصحح برنامج «أمريكا العظيمة أولاً»، الذي يستمد فانس منه قوته ومشروعيته السياسية، ليعالج القضايا الأمريكية الداخلية في السياسة والاقتصاد والهجرة والعدالة والتوظيف والصحة والغذاء والتعليم والأسرة والإسكان والخدمات والضمان الاجتماعي والطبي، بدلاً من انخراطه في مسار عسكري خارجي، حرّفه إليه ترامب بحروب في الشرق الأوسط.
فانس، وبحضور رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة، دان كاين، تحدث عن صعوبات لوجستية ومخاوف استراتيجية تواجه واشنطن في صراعها مع إيران، وتمثلت أبرزها في تفريغ مخزون الذخيرة الأمريكية، ونقص الصواريخ الدفاعية، وصعوبة تأمين الملاحة –وهذه مخاطر جيوسياسية– اقتصادية أثارها فانس لوقف الحرب. لم يتصور فانس أثناء الحملة الانتخابية الرئاسية الثانية لدونالد ترامب، عام 2022، وعندما تم ترشيحه كسيناتور، رسمياً لمنصب نائب رئيس الولايات المتحدة من قبل دونالد ترامب، في يوليو 2024، بالتزامن مع عقد المؤتمر الوطني للحزب الجمهوري، أن الرئيس ترامب أضمر خطة حرب مباشرة مع إيران، لم تكن معلنة في الحملات الانتخابية، وخطط لها أيديولوجيون متشددون جمهوريون مؤيدون لإسرائيل، بينما رأى فانس أن الحرب مع إيران «خطأ استراتيجي» وضارة بالمصالح الأمريكية.
وكشف استطلاع رأي، لمجلة الإيكونوميست البريطانية، عن تراجع تأييد ترامب إلى أدنى مستوى عند 27% وسط قلقٍ بشأن إدارته للأزمات الدولية، واستقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، من منصبها، وغادر، آندي بيكر، مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض، منصبه، ونُواب ديمقراطيون في مجلس الشيوخ الأمريكي بصدد اقتراح مشروع قانونٍ لمنع إدارة ترامب من إخفاء التكلفة الحقيقية للحرب على إيران، وطالب زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ الأمريكي السيناتور، تشاك شومر، بطرد وزير الحرب الأمريكي، بيت هيغسيث، من منصبه، لعدم كفاءته.
فانس (مواليد 1984) له ذاكرة ونشأة سياسية مختلفة عن التي عند الرئيس ترامب. فانس لم يُعاصر لحظة الثورة الإيرانية (1979) فلم تتكوّن لديه عقائد سياسية ورواسب نفسية حادة أو عدائية تجاه الثورة، مثلما تكوّنت عند جيل السياسيين الأمريكيين الذين عاصروا الثورة وأحزنهم خروج إيران، بعد الثورة، من حلفها الأمريكي التاريخي، الذي أرسته الشاهنشاهية، وأزعجهم تبنّي الجمهورية الإيرانية، خطاباً إسلامياً ثورياً راديكالياً ومعارضاً للسياسة الأمريكية في المنطقة، فَنَمَا الشعور بالتهديد لدى الساسة الأمريكيين تجاه الثورة وشكّل هدفاً سياسياً ظل مُسيطراً على السياسة الخارجية الأمريكية، وهو مواجهة إيران، اقتصادياً وعسكرياً. بينما فانس يمثل جيلاً أمريكياً صاعداً يميل لمنهج العقلانية – السياسية – الواقعية، ينتقد رأسمالية السوق المطلقة ويدعو لحماية الطبقتين العاملة والوسطى وتقييد نفوذ الشركات الكبرى واحتكارها ويؤيد فرض الضرائب على الشركات الكبرى والأثرياء، ويرفض الانشغال بحروب خارجية باهظة التكلفة وإيديولوجية وتحمّل أمريكا أعباءً دولية على حساب متطلبات داخلية ملحة وعاجلة مما يرتبط بالحياة اليومية للمواطن الأمريكي.
يمر فانس بمنعطف في حياته السياسية وسط تغيرات النظامين الدولي والإقليمي وتحول تاريخي تمر به الولايات المتحدة، نتيجة الحرب المعقدة مع إيران، وكيفية الخروج منها، وإدارة تداعياتها، ويعمل فانس على حلها دبلوماسياً، وقاد المفاوضات التي توصلت لمذكرة تفاهم أولية مع إيران، منتصف يونيو 2026. يقول فانس: «إن الأولوية الرئيسية للولايات المتحدة في الحرب ضد إيران هي الحفاظ على أسعار النفط والبنزين منخفضة للأمريكيين، بينما مسألة منع إيران من حيازة السلاح النووي تأتي في المرتبة الثانية.» وتُطرح أسئلة على فانس –حالياً وإذا أصبح رئيساً للولايات المتحدة– عن تعديلات في برنامجه السياسي تجعله جذرياً ومعبراً أكثر عن الرأي العام الأمريكي، وعن سياسته تجاه إيران والشرق الأوسط في اليوم التالي للحرب، وعن مدى قدرته على «صنع سلام حقيقي» في المنطقة، خاصة أن المشهد الذي يهيمن على المنطقة ما زال هو الحرب التي تتوسع وتتجه للتصعيد والاستنزاف، وهناك اصطفافات سياسية عسكرية، وأشكال استعمار وانهيارات معيشية ومُهددات وجودية، بينما تحتاج المنطقة وحدةً واستقراراً وتنمية وتطويراً لمشتركاتها وأُفقاً متصالحاً وإنهاء كل حروبها وتعمير ما تهدم من بنيتها ومقدراتها وتحسين الحياة وشروطها المادية.
