الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

عن الوفرة والتضليل

19 أغسطس 2026 00:05 صباحًا | آخر تحديث: 19 أغسطس 00:05 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
من أهم ما يعتبر إيجابيات انتشار الإنترنت ثم مواقع التواصل بكثافة هو وفرة المعلومات بشكل غير مسبوق وسهولة الوصول إليها بضغطة زر على الهاتف. المفترض منطقياً أن تلك الوفرة تعني مزيداً من الشفافية والحرية نتيجة المعرفة المتاحة. إنما الواقع أن الوفرة لم تؤد إلا إلى مزيد من «الاستسهال» والسطحية والأضرار التي لا حصر لها.
نسبة كبيرة من المحتوى المتوفر على الإنترنت، والذي تجري مشاركته على مواقع التواصل والدردشة، ليس سوى تضليل متعمد أو غير مقصود بترويج الكذب والتلفيق ونظريات المؤامرة وأنصاف الحقائق مع «فلفلتها» بسياق مثير غير حقيقي.
النتيجة أن الوفرة المعلوماتية تلك تزيد من السطحية وتؤدي أحياناً إلى أزمات نتيجة الدس المعلوماتي. ساهم في ذلك، ربما عن غير قصد، أن الحكومات وممثليها لجؤوا من فترة إلى مواقع التواصل لبث تصريحاتهم والإعلان عن سياساتهم ومواقفهم كي يضمنوا وصولها للعدد الأكبر من الجماهير. هذا التوجه دعم فكرة استبدال منافذ الإعلام التقليدية بمواقع التواصل.
مهما جرى تشديد القيود وسن القوانين التي تنظم النشر على الإنترنت ومواقع التواصل، لن يكون ممكناً «ضبط» الترويج للكذب والتضليل. وكل يوم تتطور التكنولوجيا بما يمكن المستخدم العادي من الالتفاف على القيود والقواعد. بل إن أدوات التكنولوجيا تسهل التزييف حتى في الصورة والصوت.
يميل الناس في الأغلب إلى «راحة دماغهم» وهو ما يدفعهم لتقبل التفسيرات المبتسرة ونظريات المؤامرة مهما كانت فجة في كذبها أو تشويهها للحقائق. بل إنه في بعض الأحيان تؤدي محاولات السلطات تصحيح المعلومات المغلوطة إلى انتشار الغلط أكثر لأن الناس يفترضون أن الحكومات والسلطات عامة «لا تقول الحقيقة».
تلعب الجماعات الهامشية والمتطرفة وعصابات الفكر المتشدد على هذا الوتر وتستخدمه في بث الفتن مستغلة ضعف ثقة الناس في القنوات الرسمية للمعلومات والأخبار. على مدى السنوات الأخيرة تطورت آليات معقدة لعملية «غسل الأخبار» مثل «غسل الأموال». فغسل الأموال هو عملية تحويل عائدات غير شرعية من الفساد أو الجريمة المنظمة إلى أموال شرعية بإدخالها في النظام المالي عبر سلسلة من المبادلات تبدو في ظاهرها استثماراً نقدياً -حتى لو بالخسارة- إلى أن تصبح أموالاً قانونية في حسابات مصرفية.
كذلك الحال مع الأخبار والمعلومات، كما تفعل جماعات متطرفة مثل «الإخوان». يبدأ الأمر بتغريدة أو منشور على موقع تواصل يبدو كأنه خبر، فينقل ذلك الخبر موقع من المواقع المشكوك فيها لكنها تبدو كأنها منفذ إخباري ويتم نسبة الخبر الملفق إلى مصادر مجهولة أو استخدام صيغة «متداول». تعيد حسابات، أغلبها لجان إلكترونية، مشاركة الخبر الملفق فيتسع انتشاره بين الناس حتى يبدو أنه «خبر شرعي» تماماً.
على سبيل المثال يقع حادث، كما في كل الدنيا، فتبدأ تلك الجهات المغرضة في إضافة ما هو مثير لخبر الحادث على مواقع التواصل. ثم يتم ربط الحادث بسياسات حكومية أو بشخص مسؤول مستهدف. مع تكرار مشاركة النشر يضيف المشاركون تلفيقات ومعلومات مغلوطة حتى يصل الأمر ذروته بسرد مضلل تماماً.
المشكلة أنه في أحيان كثيرة لا تسارع السلطات الرسمية إلى تقديم الرواية الحقيقية ونشرها بكل السبل لقطع الطريق على التزييف والكذب. ويفتح ذلك الباب واسعاً أمام من يريد «الاصطياد في الماء العكر» لترويج افتراءاته. ومرة أخرى، يبلع المتلقي العادي تلك الأكاذيب بشكل يجعل تصحيح الأمر فيما بعد غاية في الصعوبة.
لا يقتصر الأمر على الأخبار التي تتعلق بالسياسة والأمن وما شابه، بل إن تلك الوفرة المضللة تفاقم مشاكل في الصحة والتعليم وحماية البيئة وغيرها من أنشطة البشر. وللأسف يسهم بعض المسؤولين أحياناً، حتى لو عن غير قصد، في تسهيل انتشار تلك الأكاذيب والتلفيقات. من التشكيك في التغير المناخي إلى التحذير من أضرار اللقاحات والتطعيمات إلى تزييف التاريخ، بل وحتى الجغرافيا أحياناً.
ربما يفيد التعليم الجيد في مواجهة هذا السيل العارم من الوفرة المعلوماتية وأغلبها غير ذي مصداقية. لكن للأسف يشهد التعليم أيضاً تدهوراً بما لا يقوى العقل النقدي على تقبله.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة