عادت أسعار الطاقة للارتفاع مجدداً مع عودة الحرب في المنطقة، وعاد الاضطراب إلى الملاحة البحرية التي تشكل أربعة أخماس التجارة العالمية، مع ذلك لم تشهد الأسواق انهياراً كما يحذر المتشائمون دوماً ولا يبدو اقتصاد العالم على وشك الركود أو الكساد.
لا يعني ذلك أن تأثير تلك التوترات الجيوسياسية ليس مهماً، بل على العكس فأضرارها واضحة تماماً، إنما الأمر ليس بالشكل المبالغ فيه الذي يصوره كثير من المعلقين والمحللين، فالاقتصاد العالمي أصبح يتمتع بمرونة جيدة كفيلة بجعله قادراً على امتصاص الصدمات بدرجة معقولة. فمنذ الأزمة المالية العالمية عام 2008 بدأت أغلب دول العالم في الاحتياط للأزمات من عدة جوانب.
لعل أزمة وباء كورونا، حين توقف العالم كله تقريباً وأصاب الشلل سلاسل الإمداد العالمية، كانت مثالاً واضحاً على مدى مرونة الاقتصاد العالمي، ففي ذلك الوقت، ورغم تعطل أغلب النشاطات الاقتصادية حول العالم، نجحت دول كثيرة في تجاوز الأزمة بما احتاطت به من قبل، ونذكر مثلاً أن دولة الإمارات، فقد كانت في مقدمة الدول التي اعتمدت على مخزونها الاستراتيجي من الغذاء والدواء والضروريات الأساسية، فلم يشعر سكانها بضغط الأزمة مثل دول أخرى.
هناك عوامل كثيرة هددت الاقتصاد العالمي قبل الحرب، من مخاوف انفجار فقاعة الذكاء الاصطناعي وانهيار الأسواق المالية إلى مخاطر غليان الدَين العالمي، ومع أن تلك المخاطر لم تنته إلا أن توقعات أن «تفجرها» توترات جيوسياسية من حرب أوكرانيا إلى حرب إيران بدت مبالغاً فيها.
رغم ارتفاع أسعار النفط إلا أن معدلات التضخم ما زالت معقولة ولم ترتفع بالشكل الكبير الذي يدفع البنوك المركزية إلى رفع أسعار الفائدة بقوة، وما زال متوسط النمو الاقتصادي العالمي في حدود لا تقل كثيراً عن متوسط العام الماضي.
صحيح أن ضغط صدمة الطاقة أكبر على الاقتصادات التي كانت تقود النمو الاقتصادي في العالم، مثل الصين والهند، لكن تقديرات التراجع ليست كبيرة، هذا إلى جانب تقديرات أقل تشاؤما لأكبر اقتصاد في العالم بالولايات المتحدة خاصة مع مؤشرات الاقتصاد الكلي الجيدة بما في ذلك قوة سوق العمل.
لا يعني كل ذلك أن يركن العالم إلى أن مرونة الاقتصاد يمكنها وحدها تجنيبه أزمة. لذا لا بد من الاحتياط، وربما بشكل أكبر من الاستعداد لأزمات سابقة من وباء كورونا إلى حرب أوكرانيا، ففي النهاية لن تغني المرونة عن الأخذ بأسباب الاحتياط.
ليس الاحتياط بمحاولة البحث عن سبل للالتفاف على احتمالات صدمة الطاقة أو تفادي اختناق سلاسل الإمداد فحسب، بل إن الالتزام بالانضباط المالي والنقدي ركيزة أساسية في جعل الاقتصاد أكثر مرونة وزيادة ما تسمى «السعة العازلة» التي تجنب الدول هزات قوية.
تحتاج أي أزمة إلى مجرد «شرارة» تفجرها، وما أكثر الشرر المتطاير حول العالم، كما أن وقود الأزمات متوفر حتى من قبل الحروب والصراعات وما تؤدي إليه من اختناقات طاقة وتجارة، ذلك الوقود عبارة عن اختلالات هيكلية في الاقتصاد العالمي كانت وراء أزمة 2008 ولم يتم التخلص منها تماماً رغم إجراءات الإصلاح والتحوط.
لكن مواجهة تلك الاختلالات بشكل جذري يكون صعباً في أوقات الاضطراب، كما هو الحال الآن، كما أنها تتطلب إرادة سياسية، ليس فقط على المستويات القطرية والإقليمية بل عالمياً، وفي ظل ما يشهده العالم سياسياً في الأعوام الأخيرة يصعب تصور أن تلك الإرادة متوفرة أو يمكن أن تتوفر في المستقبل القريب.
في النهاية ستنتهي الأزمة الحالية في المنطقة، وستخرج منها دول العالم كلها بدروس في الاقتصاد أيضا وليس فقط في السياسة والعسكرية، والمأمول أن تكون تلك الدروس مقدمة لعملية إصلاح جذري للنظم العالمية تمثل تحوطاً مهماً يضيف إلى مرونة الاقتصاد العالمي، بالضبط مثلما يؤمل أن تؤدي إلى ترتيبات تمهد لنظام عالمي جديد على صعيد السياسة والعلاقات الدولية.
