لا تلوح في الأفق النهاية التي يرجوها معظم أبناء المنطقة لهذا الفصل من التوتر، فكل أسبوع تقريباً يبوح بشكل من العبث الذي يقرّب من التأزيم، لا الحل، بل قد لا يكون غريباً القول إن الطرفين الرئيسيين في الصراع: إيران والولايات المتحدة يستمرئان تضييع الوقت وابتداع ما يعين على ذلك. وقد لا يكون مفاجئاً أيضاً القول إن الأطراف التي تحاول المعاونة في الحل بالوساطة المباشرة أو غير المباشرة، هي الأكثر جدية في التعامل مع تطورات الأزمة وإدراك سوء تبعات استمرارها، بينما طرفا الصراع يتبادلان فتح مسارات جديدة تصعب أمر التفاوض بالاستغراق في ما يشتت الجهود.
في هذا السياق، يمكن قراءة طلب إيران ما اعتبرته تعويضات عن الأضرار التي طالتها منذ بدء هذه الجولة من الصراع، وهو أمر التقطه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإعجاب ووصفه بفكرة مثيرة للاهتمام، فأعاد الكرة بسرعة إلى الملعب الإيراني، طالباً من طهران أن تعوّض من قتلتهم نتيجة ما أشعلته من صراعات ومن استهدفتهم بالموت من الأمريكيين عبر محطات الخلاف بين الجانبين، ومنهم من سقط في الصراع الجاري.
ليست هذه المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة، التي تسحب فيها إيران الجانب الأمريكي إلى تفرعات لا معنى لها، ولا هدف لها غير تضييع الوقت وتمييع معنى التفاوض في أوج أزمة مشتعلة. ولا يمكن التسليم التام بأن ترامب، بما له من خبرات ومن معه من معاونين، غير مدرك لهذا النهج الإيراني الواضح، إنما يمكن القول إنه يخدمه، أو يعطيه مبرر عدم حسم الصراع في ظل ما يواجهه من معارضة داخلية للحل العسكري أو الاقتراب من استحقاقات انتخابية.
تكررت مرات وعيد ترامب لطهران وتهيئة المنطقة والعالم لضربة قاصمة تجبرها على الاستسلام لشروطه، وفي كل مرة يخرج بمهلة جديدة لها يتبعها أخذ الجميع إلى تفاصيل غير مسبوقة حتى كدنا ننسى ما قامت الحرب من أجله. غاب البرنامجان النووي والصاروخي عن الطاولة واحتلها موضوع مضيق هرمز، حتى بدّل ترامب أولوياته وأصبح تحرير الملاحة فيه من القرصنة الإيرانية محور التفاوض. وكلما ظهرت انفراجة في ملف المضيق أغرقه الإيرانيون في مقترحات وتصورات يعلمون أنها لن تحظى بقبول الأطراف المعنية، بل إنهم ينكرون أحياناً وجود قنوات للتواصل مع الأمريكيين.
كل ما ضاع من وقت وجهد وعدم استقرار سياسي واقتصادي منذ تفجرت هذه الموجة من الصراع يبدو مرشحاً للزيادة كأن بينهما توافقاً على ذلك، أو على الأقل لديهما، ولو بغير اتفاق، أسباب الركون إلى هذه الوتيرة غير المفهومة إلا لهما.
سيأخذ موضوع التعويضات حظه من النقاش والوقت، ولن ينتهي إلى شيء، وسيستجد ما يخطف منه الأضواء، ليتكثّف الغموض أكثر حول أوراق إدارة الصراع الذي استطال بغير مبرر وتتخلله منعطفات عبثية، منها لعبة التعويضات التي أعجبت ترامب، رغم إقراره بأنها لم تكن يوماً محل تفاوض.
