بعيداً عن الخسائر البشرية السنوية، وهي طبعاً الأكثر إيلاماً، لأشكال التطرف المناخي، بين عواصف وفيضانات وموجات حر قياسية وحرائق وغيرها، تتعاظم عاماً بعد آخر التأثيرات المكلفة والقاسية من الناحية الاقتصادية، وهي أيضاً ماسة بحياة الأفراد والمجتمعات والدول.
في مثل هذا الوقت من كل عام، تتركز الكوارث الطبيعية وتتضح مفارقات المناخ وبعضها يصل إلى حد الانقلاب في تاريخ بعض الدول، خاصة من جهة درجات الحرارة، حتى بتنا أمام موسم اعتيادي تتوالى فيه الصور المؤلمة من حول العالم، وتحديداً أوروبا التي يتعاظم فيها الأمر سنوياً، لكن الوقفة الحقيقية اللازمة في هذا الملف لا تزال بعيدة كالعادة، بفعل استمرار غياب الإرادة الدولية الحقيقية أمام هيمنة مصالح بعض القوى الكبرى وعجزها عن الوصول إلى اتفاق جدّي ملزم للجميع.
بين الحرائق والفيضانات المتواصلة والمتنقلة من موضع لآخر، يلفت أن هناك وقفة هذا الموسم أمام الكلفة الاقتصادية، وربما لأنها أصبحت أشد وطأة إما لأن بعض الاقتصادات مأزومة بالفعل، وإما لأن الصراعات السياسية تؤثر في ميزانيات دول، سواء لانخراطها المباشر فيها، أو معاناتها من تداعياتها، خاصة التي تطال حركة التجارة العالمية وأسواق الطاقة.
في كل الأحوال، ربما يجدي التركيز على الكلفة الاقتصادية هذا العام في تحوّل في التعامل مع ملف التغيرات المناخية وقد بلغت من التطرف حداً مقلقاً. لا بأس أن تكون لغة الأرقام مقلقة بأكثر مما يفعل فقدان الأرواح وانتشار العلل وتهديد مجتمعات وأماكن عيش بدأت تودع استقرارها الطويل. الغاية الأهم أن تدفع الخسائر دولاً تكبدتها إلى إعلاء الصوت أمام القوى الكبرى والإسهام في إقرار صيغ تكبح تصاعد التطرف المناخي وتصغي إلى تحذيرات المتخصصين ونصائحهم.
لسنا، على صعيد الأثر الاقتصادي، أمام دول صغيرة أو فقيرة يمكن الاستمرار في هضم حقوقها، فالخسائر الاقتصادية الناجمة عن حرائق الغابات وموجات الحر التي اجتاحت في الدول الخمس الأكثر تضرراً داخل منطقة اليورو، وهي فرنسا وإسبانيا والبرتغال واليونان ورومانيا، تجاوزت 3 مليارات يورو منذ بداية العام.
والحديث هنا عن أضرار مباشرة في الغابات والمنشآت والممتلكات، لكن الخسارة ممتدة في ما يجب إنفاقه لإصلاح هذه المواضع، وتعويض المتضررين، وفقد عوائد الموسم السياحي، وخسائر المزارعين، وتوقف مصانع وشركات، وارتفاع أسعار وثائق التأمين ومعدات مكافحة الحرائق، وزيادة مخصصات علاج المتضررين. وفي المجمل، يتوقع أن يتسبب الحر الشديد في انخفاض الناتج المحلي 7% في بعض البلدان بحلول 2030.
وفي 2023، قدرت دراسة خسائر التغير المناخي وما ينجم عنه بنحو 16 مليون دولار في الساعة الواحدة على مدى السنوات العشرين السابقة.
وإذا كان ممكناً الاقتراب من أرقام حقيقية في الدول الأوروبية، أو المتقدمة عموماً، فإن ذلك عسير في نظيرتها الفقيرة، حيث لا اعتبار للبيانات أو دلالاتها، لكن العالم بجناحيه مطالب مجدداً بصدّ التطرف المناخي بإرادته قبل أن يُجبر على ذلك.
