الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الرواية ليست تسلية بل قوة تغييرية

21 أغسطس 2026 00:00 صباحًا | آخر تحديث: 21 أغسطس 00:00 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
الرواية ليست مجرد حكاية تقرأ لتمضية الوقت، وليست ترفاً ثقافياً يضاف إلى رفوف المكتبات. في لحظات كثيرة من التاريخ تحولت الرواية إلى وسيلة لصناعة الوعي الجمعي، واختراق الوعي الوجداني، وإعادة تعريف ما يراه المجتمع عادياً أو ظالماً أو مقبولاً. ربما تكمن قوتها الكبرى في أنها لا تقول للقارئ عادة: «غيّر رأيك»، بل تجعله يعيش حياة إنسان آخر، ينغمس في تفاصيل معاناته وأحزانه وأفراحه، يدخل دهاليز مشاعره الخفية ويختبرها. ثم تتركه يخرج من التجربة وقد تغيّر شيء ما في داخله.
وهنا يكمن الفرق بين الرواية والخطاب الدعائي المباشر. الدعاية تخاطب موقف الإنسان، أما الرواية فتستطيع أن تخاطب تجربته العاطفية المُتخَيلة. المحاضرة تخبرك بأن الفقر قاسٍ، أما الرواية فتجعلك تدخل بيت الفقير وتذوق طعم الجوع في صحنه الفارغ. التقرير يخبرك بأن هناك طفلاً جائعاً. أما الرواية فتجعلك تسمع صوته المختنق وهو يطلب طبقاً من الحساء بذلٍ وانكسار وترى نظرات من حوله وتعيش مأساته ومخاوفه.
لهذا يمكن القول إن الرواية ليست إعلاماً بالمعنى التقليدي، لكنها قد تكون، أعمق من الإعلام في صناعة الصورة الذهنية الطويلة الأجل. علم النفس الحديث يقدم الرواية تحت تفسير «الانتقال أو الاستغراق السردي» عندما يندمج القارئ بقوة في الحكاية تتداخل لديه عمليات الانتباه والتخيل والعاطفة، فيعيش مؤقتاً داخل العالم الروائي. وتشير الدراسات التجريبية إلى أن قراءة الأدب القصصي قد ترتبط بزيادة التعاطف عندما يحدث الاندماج العاطفي. أي أن التأثير لا يأتي لمجرد أن الإنسان قرأ قصة، بل لأنه انتقل وجدانياً إلى داخلها. كما تشير أبحاث أخرى إلى قدرة السرد على التأثير في المعرفة والمواقف والنيات السلوكية. لهذا نجد أن الإنسان قد يقاوم الحجة أحياناً، لكنه يجد صعوبة في مقاومة التجربة الإنسانية التي عاشها مع شخصية أحبها.
مثلاً عندما يقرأ الإنسان خبراً عن آلاف من العمال يعيشون ظروفاً قاسية، قد يتعاطف لدقائق ثم ينتقل إلى خبر آخر. لكن عندما يقضي صفحات وصفحات مع عامل واحد يعرف تفاصيل حياته وحياة عائلته، أحلامه وخوفه وجوعه وانكساره، فإن العامل يتوقف عن كونه رقماً ويصبح إنساناً، ومن هنا تبدأ صناعة الوعي. ففي رواية «كوخ العم توم» وجدنا وجهاً آخر للعبودية. الرواية المنشورة عام 1852 أصبحت نموذجاً تاريخياً على القوة السياسية للرواية. الكاتبة «هارييت ستو» لم تضع أرقاماً عن العبيد فقط، بل أدخلت القارئ في حياتهم. أعطتهم أسماء ووجوهاً وعائلات وخوفاً، وأمومة، وفراقاً، وموتاً. وفجأة أصبحت قضيتهم قضية سياسية بعيدة المدى، مأساة إنسانية أدت إلى تغير المناخ الأخلاقي والسياسي، ما أدى لاحقاً إلى إلغاء العبودية.
أما «تشارلز ديكنز» في رواية «أوليفر توسيت»، فقد فعل شيئاً مشابهاً مع الفقر والأطفال والمؤسسات التي يُفترض أنها وجدت لحمايتهم. وضع ديكنز طفلاً في قلب الرواية، وأدخل القارئ إلى عالم الفقراء والقوانين القاسية والجريمة واستغلال الأطفال. المشهد الشهير الذي يطلب فيه أوليفر المزيد من الطعام لم يكن مجرد مشهد أدبي مؤثر، كان اختصاراً لمنظومة كاملة تعامل الفقير باعتباره عبئاً ينبغي ردعه عن طلب المساعدة. لكنه ذهب أبعد في التعمق في مآسي الأطفال في المدارس السيئة السمعة في «يوركشاير» التي يُرسل إليها أطفال غير مرغوب فيهم، وكيف يتعرضون للإهمال والقسوة. وهنا نرى مقدرة ديكنز على دمج مشاعر القارئ في المشكلات الاجتماعية وخلق وعي جمعي أدى إلى تضاؤل هذا النوع من المدارس.
رواية «الأدغال» مثلاً للكاتب سنكلير فضح فيها استغلال العمال لا سيما المهاجرين داخل صناعة اللحوم في شيكاغو. حيث وصف الظروف الصحية المُقززة. تحولت الرواية إلى قضية رأي عام، وتصاعد الضغط السياسي، ما أدى إلى قانون فحص اللحوم وقانون الغذاء والدواء النقي. وهذا مثال يكشف أن الرواية تستطيع إطلاق موجة إصلاح اجتماعية.
الأمثلة كثيرة.. وهذا القليل منها.
نحن نعيش اليوم عصر المعلومة السريعة. خبر يظهر على الهاتف ثم يختفي، صور تتزاحم، مأساة إنسانية يزيحها «ترند». أما الرواية فتفعل العكس. تطلب منك أن تتوقف. تعيش مع شخصية خيالية تسكن معها وتخاف عليها، أو تغضب لأجلها. وهكذا تصل الرواية إلى منطقة لا تصلها نشرات الأخبار بسهولة. بعبارة أخرى الإعلام يخبر بالحدث، لكن الرواية تجعلك تعيش وتشعر وتتنفس الحدث، وهنا تكمن قوتها.
*كاتبة وباحثة في الدراسات الإعلامية
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة