الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

بين فكّي التمساح

14 أغسطس 2026 00:09 صباحًا | آخر تحديث: 14 أغسطس 00:09 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
للكاتب الروسي الأشهر فيودور دستويفسكي قصة طويلة بعنوان «التمساح»، تدور حول موظف ابتلعه تمساح، والمفارقة هنا أن الرجل عاش بطريقة طبيعية داخل بطن التمساح، وكان يتكلم مع صديقه وزوجته بطريقة عادية، والأكثر غرابة في تلك القصة «الفانتازية» أن الرجل لم يكن خائفاً أو قلقاً أو متوتراً، ولم يشعر بأي أحاسيس سلبية، ولكنه كان سعيداً، ووجدها فرصة نادرة لم تحدث لأحد من قبل، وقرر استثمارها لكي يصبح شخصاً شهيراً، وذلك عندما يأتي الجمهور لمشاهدة رجل يتحدث إليه من داخل ذلك المكان العجيب، والأهم من ذلك أن بطلنا من موقعه الغرائبي هذا كان يدلي بآرائه في مختلف الموضوعات السياسية والاجتماعية.
وتستمر مفارقات القصة، فكل من شهد الواقعة أو سمع بها لم يندهش أو يستغرب، ولكنهم كانوا يتطلّعون فقط إلى الفرجة والتسلية. هذه قصة مر على كتابتها ما يقرب من قرن ونصف القرن، والهدف منها السخرية بأسلوب مضحك من طبقة الموظفين بأفكارهم البالية والعتيقة آنذاك، ولكنها تنطبق أكثر على زماننا، والذي نعيش فيه داخل ما يشبه التمساح، فنحن أسرى بين فكّي الصورة ومواقع التواصل الاجتماعي.
لقد ابتلعت التكنولوجيا فائقة الحداثة البشر بأكملهم، وأثرت بقوة في نفوسهم وقيمهم ورؤيتهم للعالم من حولهم، وغيّرت في طبيعتهم كما لم تفعل الاختراعات والاكتشافات الكبرى، مثل اختراع الكتابة أو الطباعة.
لقد أفقدتنا التكنولوجيا قدرتنا على الاندهاش، فسبب التعرض اللحظي للصور والأخبار، والحروب والكوارث، والجرائم..لم يعد هناك من شيء يدهشنا، نشاهد كل ذلك على مدار الساعة ولا يثير توترنا أو قلقنا، بل امتدت تلك اللامبالاة إلى العبث في أقوى مشاعرنا، وأعني الخوف، فبعض البشر الآن يصورون الزلازل لحظة وقوعها، وهناك من يصور مشاهد للطائرة وهي تضطرب وربما تكون على وشك السقوط، والبعض يصور فيديوهات لنفسه وهو يقدم على الانتحار، وهناك ملايين آخرين لا يعنيهم ما يحدث أمامهم، وتجدهم لا يشاركون في حوادث تقع أمامهم، ولا يمدون أيديهم بالمساعدة للآخرين، بل يكتفون بالتصوير وكل ما يهمهم الفرجة والتسلية، ويحكم الجميع قانون الشهرة والوصول إلى «الترند»، وبات هذا الأخير هو الهدف، فهذه المشاهد عندما كانت تعرض في الأفلام السينمائية منذ عقود كانت تثير هلع البعض، وهناك من يحكي عن خروجه ركضاً من قاعة السينما عندما أحس بالخوف لأن القطار المقبل في الشاشة يبدو أنه يقبل عليه وسيصدمه. ومنذ عقود أيضاً كانت مشاهد الأدب المأساوية تدفع البعض إلى البكاء.
كلنا الآن في بطن «تمساح» التكنولوجيا، وكلنا مثل بطل قصتنا نرغب في الشهرة، أو نكتفي بالفرجة والتسلية، ونود التعبير عن آرائنا في كل شيء وبأي أسلوب، والواقع نفسه بات أكثر «فانتازية» من الأدب الساخر والمدهش والخلاب، ولو عاش دستويفسكي بيننا الآن، فلن يفكر في كتابة مثل هذه القصة، ففي وقته كان يريد السخرية من الواقع وإدهاش القارئ وحثه على التفكير وطرح الأسئلة، وكلها أشياء لم تعد ضمن أولويات البشر الآن.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة